لغة التدريس بين الاختيار التربوي والقرار النخبوي

140

العرائش نيوز: 

الزكري عبدالرؤوف

أثار قانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين ما لم يثره غيره من القوانين. ولقد عانت النخبة البرلمانية الكثير من الشد والجذب، قبل أن يحسم فيه وبالأغلبية المطلقة لصالح التناوب اللغوي في تدريس المواد العلمية والتقنية.

أهمية اللغة في تعزيز التعلمات:

يعد امتلاك ناصية اللغة، أهم وأول مشكلة تقابل الطفل عند التحاقه بالمدرسة. لأن بها تستطيع هذه الاخيرة القيام بدورها في التنشئة الاجتماعية، بالإضافة إلى وسائط أخرى (جون ديوي). فالأفكار والمفاهيم تكتسب من المجتمع عن طريق القناة اللغوية. وكما يرى بياجي: «ان اللغة تساعد الطفل على تصنيف إدراكاته، وعلى تثبيتها في ذهنه، وعلى التفكير المستمر». ولقد أكد علماء التربية وعلم النفس، أن النمو العقلي، الذي هو هدف كل ممارسة تربوية، رهين بالارتقاء اللغوي. فكلما نمت وتطورت لغة المرء، نما تفكيره وتقوى ذكاؤه. مع الاعتراف بأهمية الخبرات الحسية في تنمية معارف الإنسان، لكن باللغة تُكتسب و تُستضمر. من هنا نجد من يؤكد على « ضرورة اكتساب المهارة اللغوية كأساس لارتقاء الذكاء والنجاح في الحياة» (آتيين كندياك).فلا غرو أن يقرر المجلس الأعلى للتعليم:« أن التمكن من اللغة أساس تنمية الكفايات اللازمة لمختلف التعلمات».

التعريب في السياسة التربوية لدى الرواد:

إن مبدأ التعريب، لم يكن محط نقاش بين الرواد الاوائل الذي حملوا على عاتقهم بناء الدولة المغربية وطنا وشعبا، الخارج للتو من ضيق الاستعمار إلى سعة الاستقلال. باعتبار اللغة العربية، لغة ساهمت في تكوين الشخصية المغربية طيلة قرون عديدة، وحاملة لثقافته ومعبرة عن طموحاته الحضارية، اختارها المجتمع طوعا إلى جانب الأمازيغية وعاء قيميا، وقناة تواصلية. لكن الجودة التعليمية ظلت الغائب الأكبر التي يُطلب ودها، في جل الإصلاحات التي عرفتها المنظومة منذ الاستقلال إلى اليوم، في ظل غياب تعريب باقي مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية… و« غابت السياسة اللغوية الوطنية للدولة في إعداد ناشئة متعلمة »، فحماس البعض، وذوده في الدفاع عن حياض اللغة العربية، قوبلبمناهضة حادة من طرف الكثير من النخب السياسية والفكرية و…. من هنا سينصح المجلس الاعلى للتعليم، صناع القرار التربوي، بأن مقاربة الإشكالية اللغوية بالمغرب، لا ينبغي أن تنطلق من بعد إيديولوجي، بل ينبغي أن ترتكز على البعد  التقني والهندسي. وهو ما سيشكل بداية الانقلاب على الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي اعتمد مرجعا وخارطة إصلاح للمنظومة في بداية الألفية، والذي اعتبر العربية إحدى الثوابت والمرتكزات الأساسية بالإضافة إلى الإيمان بالله وحب الوطن والتمسك بالملكية الدستورية، التي تنهض عليها منظومة التربية والتكوين.

العربية من التبجيل إلى التبخيس:

هذه الوثيقة وبشهادة الكثير، لم تفقد راهنيتها وصلاحيتها في جبر ضرر المنظومة، وقد نصت على تقوية تعليم العربية وإلزاميته، مع الاستعداد لفتح شعب للبحث العلمي المتطور في التعليم العالي باللغة العربية، و العمل على إحداث أكاديمية لها، في ظل تقارير دولية ووطنية تشهد بضعف تمكن  التلاميذ اللغوي. إضافة إلى النسبة المرتفعة للهدر الجامعي 47 % ، وقد اختلف في تفسير هذه النسبة، إلا أن عزو ذلك إلى اختلاف لغة التدريس من الثانوي إلى الجامعي، وخصوصا بالنسبة لطلبة العلوم والتقنيات، كان محط إجماع من طرف الجميع. حيث يمكن ملامسة معاناة الطلبة مع اللغة الفرنسية دون كبير عناء، رغم إقبال معظمهم على المراكز اللغوية الفرنسية بمجرد التحاقهم بالكلية، فالفجوة قد اتسعت، وكرة الثلج اللغوية تضخمت عجزا وضعفا. هذا الأنين الصامت التقطته بعض الآذان ورادارات من يترصدون بالتعريب وأهله الدوائر، والحنين يتملكهم بالعودة إلى ما قبل تعريب المواد العلمية، بإشهار هذا الوضع شماعة ومشجبا يعلق عليه الفشل المرصود. وفرصة للانقضاض على التعريب وأهله، والدعوة بإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه، كحل للمعضلة التي نعاني ويلاتها، عوض تعريب الجامعة، الذي يتطلب مجهودات مادية وبشرية، أنى لنا بها. في حين اعتبره البعض من المستحيلات، بكون العربية أقل من أن تسع العلوم التي قطعت أشواطا بعيدة في ظل سبات العرب وغفلتهم، رغم أنها وسعت  « كتاب الله علما وغاية » (حافظ إبراهيم)، وغنى المكتبة العربية بأعمال علمية يعجز المرء عدها، وليس آخرها الموسوعة الفيزيائية للبروفسور المغربي البغدادي.

اللغة اختيار مجتمعي وقرار تربوي:

بعد إصدار شهادة الضعف والعجز في حق اللغة العربية، سيتم اللجوء إلى  «قانون السوق اللغوية »(بيير بورديو). وإخضاعه لمنطق «الشناقة»، الذين يحسنون التلاعب بالألفاظ، في سبيلهم إلى الإقناع بغير حقيقة الأشياء،  تذكرنا بسفسطة اليونان، المنطقية الظاهر، والمعتلة المضمون. فطرحت قضية « اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم »، مع حفظ مكانة  اللغة العربية ، التي ستظل لغة التدريس الأساس، و« يتم تفعيل مبدأ التناوب اللغوي بالتدرج، على أساس تدريس بعض المضامين أو المجزوءات باللغة الفرنسية». وهكذا سيتم الالتفات على قانون بيير بورديو، الذي بتحكيمه ، و بإقرار المجلس الأعلى للتعليم، هو غير الفرنسية، فقيمتها التداولية في بورصة اللغات، أقل بكثير من العربية، وتتصدرها الإنجليزية. لكن عرابي الفرنكوفونية كان لهم رأي آخر، وإن قادنا إلى الإفلاس، مادامت لهم اليد الطولى تتجاوز بكثير التعليم، إلى السياسة والاقتصاد والثقافة ووهو تطاول ضارب في التاريخ ويدعمه واقع الجغرافية ومنطق موازين القوى. استسلم لسلطته المغلوب على أمره، فالأمر الواقع، ولد قناعة لدى الكثير، نستشفها من خلال أحاديث الناس وتعبيراتهم وتعليقاتهم على الأخبار والمقالات التي تتناول الموضوع إعلاميا، وكذا التحقيقات الصحفية، أن الكل يرغب في التمكن من اللغات، الفرنسية للإيجاد موطئ قدم في السوق المحلية، والإنجليزية في العالمية. وكل من يدافع عن اللغة العربية متهم حقا أو باطلا بتدريس أبنائه في مدارس البعثات الأجنبية. كما أن المعطيات والأرقام تؤكد تنافس الآباء في الدفع بأبنائهم إلى حجز مقاعد لهم في المسالك الدولية، المحدودة العدد. أو الفرار إلى التعليم الخاص الذي يبدي اهتماما أكبر بشأن اللغات العالمية ولو على مستوى الملصقات واللوحات الإشهارية. لكن البعض يسد الفجوة، باللجوء إلى مؤسسات الخبرة والدربة البيداغوجية لغويا، مادام في الجيب بقية.

الخاتمة:

إن قضية التناوب اللغوي ليست حديث اليوم، ولا هو جديد على الساحة التعليمية، بل هو حاضر في أذهان من صاغوا الميثاق الوطني للتربية والتكوين، نهاية القرن الماضي. وهم بالمناسبة يمثلون كل الاطياف السياسية والنقابية والجمعوية، ورجال الفكر والثقافة. كل هؤلاء اتفقوا على ضرورة الانفتاح على اللغات العالمية، ولن يتم ذلك إلا « باستعمالها في تلقين وحدات أو مجزوءات ثقافية، تكنولوجية أو علمية تسمح بالاستعمال الوظيفي للغة، والتمرن على التواصل بها. وبالتالي توطيد كفايات التعبير اللغوي نفسه» (الميثاق الوطني للتربية والتكوين). هذا التوطين هو الدافع لكثير من المغاربة ممن تيسرت لهم سبل الدفع بأبنائهم إلى المراكز اللغوية الفرنسية والامريكية لكسب رهانه، وعدم تعريض مستقبلهم لتذبذب اختيارات  من أسندت لهم أمور تدبير سياسة التعليم الغير المتحمسين للعربية، والغائب أهلها عن ساحة الفعل والإنتاج العلمي، وإن تم فبلغة موليير وشكسبير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.