العرائش نيوز:
الاستاذ ابراهيم الحداد: محام بهيئة طنجة
من حق أي مواطن أن يغضب عندما يشعر بأن حقه مهدد، ومن حقه أن يلجأ إلى القضاء دفاعا عن مصالحه، ومن حقه أيضا أن ينتقد الأحكام والقرارات القضائية بسلك طرق الطعن التي يتيحها القانون، لكن ليس من حقه أن يتحول من متقاض يطالب بحقه إلى قاض يصدر الأحكام على الناس، فيتهم هذا بالفساد ويشكك في ذاك دون بينة أو دليل.
لقد أصبحنا نعيش زمنا خطيرا تختلط فيه أحيانا المعرفة بالانطباع، والقانون بالرأي الشخصي، والحقيقة بما يعتقده البعض حقيقة، وما يزيد الأمر خطورة أن بعض الأشخاص لا يترددون في توجيه أخطر الاتهامات إلى القضاة أو المسؤولين أو غيرهم فقط لأنهم لم يفهموا مضمون قرار قانوني أو إجراء قضائي، أو لأنهم بنوا موقفهم على فهم خاطئ للنصوص القانونية.
ومن بين النماذج الصارخة على ذلك، أن يعمد شخص يقيم خارج أرض الوطن إلى التشهير بقاضية ونعتها بأقدح النعوت دون تقديم أي دليل أو مستند يبرر ما نسبه إليها من اتهامات خطيرة، واكتفى بإطلاق أوصاف وأحكام قاسية قدمها وكأنها حقائق ثابتة لا تقبل النقاش، غير أنه، وبعد حوالي أسبوع من حملة التشهير، وفي محاولة منه لتدعيم موقفه وإقناع المتابعين بصحة ادعاءاته، عمد إلى نشر الأمر الذي أصدرته القاضية نفسها، معتقدا أن مضمونه سيشكل دليلا على ما يدعيه، لكن المفاجأة كانت صادمة لكل من قرأ الوثيقة بعين قانونية مجردة، إذ تبين أن الأمر لا يتضمن ما يمكن أن يستشف منه أي انحياز أو خرق للقانون، بل على العكس من ذلك، كشف أن القاضية لم تفعل سوى تطبيق المقتضيات القانونية المنظمة للتقييد الاحتياطي وتمديد آثاره في انتظار البت في الدعوى المعروضة على المحكمة المختصة.
فقد أصدرت أمرا وافقت بمقتضاه على تمديد تقييد احتياطي من أجل ضمان رتبة عقد كراء يدعي هو أنه مزور، معتقدا أن موافقتها على التمديد تعني اعترافا منها بصحة العقد أو إقرارا بحقوق صاحبه أو منحه الملكية، والحال أن هذا الفهم بعيد كل البعد عن الحقيقة القانونية، فالتقييد الاحتياطي ليس حكما قضائيا فاصلا في الموضوع، وليس سندا للملكية، ولا يمنح لصاحبه أي حق نهائي، بل هو مجرد إجراء تحفظي مؤقت شرعه المشرع لحماية حق يدعيه صاحبه إلى حين أن تقول المحكمة المختصة كلمتها النهائية في النزاع، وعندما يرفع صاحب المصلحة طلبه أمام القضاء ويقدمه وفق الشروط القانونية المطلوبة، فإن القانون يجيز، بل يفرض في بعض الحالات، تمديد مفعول التقييد الاحتياطي إلى حين البت في الدعوى، والقاضي الذي يستجيب لطلب تمديد التقييد الاحتياطي لا يحكم بصحة الحق المدعى به، ولا يحسم في صحة العقد أو بطلانه، ولا يمنح الملكية لأحد، وإنما يطبق مقتضى قانوني وضعه المشرع لحماية المراكز القانونية إلى أن يصدر الحكم الفاصل في الموضوع.
أما الادعاء بأن عقد الكراء مزور، فهو ادعاء قد يكون صحيحا أو غير صحيح، لكنه لا يندرج ضمن اختصاص القضاء الاستعجالي، والجهة الوحيدة المخول لها قانونا حسم هذه المسألة هي المحكمة المختصة بعد دراسة الوثائق والاستماع إلى الأطراف وتمكين كل طرف من ممارسة حقوق الدفاع.
وهكذا تحول المستند الذي أريد له أن يكون دليلا للإدانة إلى دليل على البراءة، وتحولت الوثيقة التي نشرت لتأكيد الاتهامات إلى وثيقة تكشف أن صاحبها بنى موقفه على فهم غير صحيح لطبيعة القرار القضائي وآثاره القانونية، وهي مفارقة تختزل مأساة كثيرة من الأحكام المتسرعة التي تصدر ضد الأشخاص قبل فهم الوقائع والقانون، ومن هنا يظهر حجم الظلم الذي قد يتسبب فيه الجهل بالقانون، فبدل توجيه الجهد نحو إثبات التزوير أمام القضاء، وبدل سلوك المساطر القانونية المتاحة للطعن والمنازعة، يتم توجيه الاتهامات إلى شخص لم يفعل سوى تطبيق النص القانوني كما هو.
وختاما ان كنت من باب العدالة والانصاف لا أستطيع الجزم بصحة ما يدعيه هذا المواطن عن موضوع التزوير الذي طال توقيع والده، فإنني بحكم مهنتي أؤكد أن القاضية التي جعلها هدفا للتشهير والسب قامت بإجراء قانوني يفرضه عليها القانون وتقتضيه وظيفتها، وهو اجراء وقتي فقط لا يحفظ إلا الرتبة في حال انتهى النزاع لصالح طالب التقييد، وأصبح الحق قابلا للتقييد، وبحكم الاحتكاك المهني اليومي بهذه القاضية، كما يحتك بها عشرات المحامين والمتقاضين وموظفي العدالة، فلم أعرف عنها إلا النزاهة والاستقامة ونظافة اليد والاحترام الصارم للقانون، ولم يسبق أن بلغ إلى علمي ما يبرر المساس بسمعتها أو التشكيك في ذمتها أو اتهامها بما لا دليل عليه.
ونظرا لكون الصمت في مثل هذه الحالات لا يكون حيادا، بل قد يتحول إلى مساهمة غير مباشرة في تكريس الظلم، وكما نتصدى لكل انحراف أو تجاوز أو فساد متى ثبت بالدليل والحجة، وجب أيضا أن نتصدى للاتهامات الجائرة عندما توجه إلى أشخاص لمجرد أنهم قاموا بواجبهم المهني وطبقوا القانون.
