العرائش نيوز:
آدم الحسناوي
أَثْرَت الجامعة المغربية خلال النصف الثاني من القرن الماضي فضاء العلم و المعرفة الكوني بعدة مفكرين ، برز هؤلاء المفكرون على الصعيدين المحلي و الدولي ؛ بل إن من أكمل دراسته منهم خارج المغرب ، تبوثقت النواة للأولى للمعرفة لديه داخل أسوار الجامعة المغربية ؛ فالحكايات التي ترويها لنا الأجيال السابقة عند مقارنتها بالوضعية التي آلت إليها الجامعة ، أشبه بحكايات ألف ليلة و ليلة . إذ كانت الجامعة المغربية فضاءا للدردشات الثقافية و تبادل وجهات النظر ، حتى الصراعات الإيديولوجية كانت تطرح على أرضية المعرفة العلمية . فكان طلاب التاريخ منهمكون بالبحث في كتابات غاستون باشلار و جان بول سارتر و جورج لوكاش … . بينما طلاب الفلسفة و علم الإجتماع مهتمون بالقراءة لويل ديورانت و ماكس غالو و أرنست ماندل … . طلاب كليات العلوم يقرؤون لفولتير و غابرييل غارسيا ماركيز و أنطون تشيخوف و هلم جرّا … . هذا فيما يتعلق بالتعرف على الآخر البعيد ، إضافة إلى إطلاعهم على كتابات الأخر القريب (الكتابات العربية) .
لكن ، ماسبق ذكره لم تتبقى منه إلا شذرات متناثرة . فالطلبة اليوم أشبه بمرتزقة مقارنة بطلبة الأمس .
مع الثورة المعلوماتية التي نشهدها ، أصبح الطالب لا يهتم بمواده التي يدرسها ، فما بالك بالإنفتاح على المواد الأخرى . لا أبالغ عندما أصرح أن مايتعدى %50 من الحاصلين على شهادة الإجازة اليوم لم يقرؤوا كتابا واحدا يوما ما . بل إن بحث التخرج أضحى يشترى و أحيانا أخرى تتم سرقته بنسب بحث أُنجز سابقا للطالب المُطالَب به ، في أفضل الحالات تجد طلبةً يبحثون في الفهارس دون قراءة الكتاب ، علما أن بعض احتياجاتهم توجد متناثرة في مواضع مختلفة من بعض الكتب لا تتم الإشارة إليها في الفهارس .
هذا فيما يتعلق بالبحث . لكن ، الآفة المتنامية بشكل دينامي و التي تؤرق المجتمعات هي الغش . إن كان الغش في البلدان الأخرى برنامجا مرحليا يلجأ له الغاش في أحد الإختبارات ، فالغش في المغرب أضحى أسلوب حياة بمباركة الأساتذة ، أضحى غاية في ذاته .
مع تعاقب السنين ، أصبح الغش جزءا من المنظومة ، فإن كان بعض الدكاترة عاجزين عن التمييز بين الطالب الغشاش و الطالب المثقف من خلال صياغته(الطالب) للمقال المكتوب في الإمتحان ، أصبح بعض الطلبة يستطيعون التمييز بين الدكتور الذي التجأ للممارسات الدنيئة بغية الوصول للغاية و الدكتور الذي اجتهد في سبيل الوصول لغايته .
شهدت التعاريف و المصطلحات و الوسائل و الأساليب اتساعا في مدلولها مع الثورة الرقمية ، فالوثيقة على سبيل الذكر لا الحصر ، لم تعد تشمل التدوين الخطي ، أصبح التدوين الإلكتروني فاعلا رئيسيا في كتابة التاريخ ، كما تعتبر وسيلة أساسية للأجيال القادمة في معرفة أسلوب حياتنا و نمط تفكيرنا و إبداعاتنا … . على غرار الوثيقة ، اتسع مفهوم الغش و مدلوله كما تطور أيضا . فإن كان الطالب الغشاش قبل ثلاثين سنة ، يمارس الغش عن طريق النقل من المراجع دون الإستشهاد بها ، أو نسخ الطالب لورقة زميله ، أو تبادل المعلومات داخل مراكز الإمتحان ؛ أمسى الغش اليوم متسع المدلول و متطوراً ، إذ يعبر عن كل الممارسات التي تندرج ضمن السلوكات الغير أخلاقية في مفهومها الكلي داخل مراكز الإمتحان ، من إستخدام سماعات الأذن (التقليدية و المتطورة) في تلقي الأجوبة ، إلى استخدام الهاتف في الغش من خلال تدوين الأجوبة في مذكرته ، أو نسخ بعض المقالات و الإجابات من أحد المواقع التي يتيح محرك البحث GOOGLE ولوجها و تدوينها في ورقة التحرير ، فاستخدام تطبيقات ك WHATSAPP و TELEGRAM و FACEBOOK ، و تصغير بعض القصاصات المطبوعة إلكترونيا من أجل تشتيت انتباه المراقب في حالة قيامه بتفتيش صاحبها … .
في ظل اتساع ظاهرة الغش بالشكل المهول الذي نشهده ، أصبح من المفروض معالجة الظاهرة بمقاربة إبستمولوجية تستحضر بعده القيمي . فالغش أصبح قيمة في ذاته ، أضحى متنفسا للطلبة من أجل النجاح و الرقي الإجتماعي المتصل بالممارسة ، مما منحه في نظر الطلبة صفة الممارسة الغائية السليمة-الدنيئة التي تظل ممارسة فعالة طول بروز الغاية .
تتمثل إشكالية الغش في عدم كونه ممارسة مرحلية عندنا ، بمجرد أن يقنع الطالب نفسه بغائية مكيافيلي ، يصبح عبدا لهذه الغائية ، إذ تترسخ في ذهنه ، يصبح على إثرها الغش ممارسة تشكل قيمة مضافة عند ممارسها ، أي يصبح قيمة من القيم الواجب توفرها بغية الوصول لهدف معين إن لم نقل أن الغش يتماثل في الأذهان كهدف ، مما يعود بالضرر على الجامعة المغربية بصفة خاصة و المجتمع بصفة عامة .
عندما نتحدث عن الغش ، فإننا نتحدث عن ممارسة مكتسبة لا نتحدث عن ممارسة فطرية . في هذا الصدد ، وجب علينا التعريف بالعوامل المساهمة في اللجوء لهذه الممارسة و المتمثلة فيما يلي :
بيداغوجية بعض الأساتذة :
يعمد بعض الأساتذة داخل الجامعات إلى إلقاء محاضرات يعتبرونها المرجع الأساسي و الأوحد للطلبة ، حيث يطالبون الطلبة بنسح ما أملاه الأستاذ عليهم في المحاضرات و إستحضاره في ورقة الإمتحان حرفيا ، مع عدم ترك فرصة صياغة الجواب للطالب بأسلوبه ، ناسين أو متناسين أنهم يتعاملون مع طلبة باحثين لا مع تلاميذ في القسم ؛
إن قام أحد الطلبة بالتوسع خارج ما أملاه الأستاذ رغم تعلقه بالموضوع ، يتم إرساله مباشرة للدورة الإستدراكية أو يتم ترسيب الطالب .
هذا المعطى المتمثل في التلقين و الحفظ ، يقتل الإبداع في حالة وجوده ؛ فأضحى الإبداع (من خلال تواجد طلاب موسوعيين) حالة شاذة عن المألوف ، مما ولد التقهقر الذي تعرفه الجامعة و يعرفه الطلاب .
إذا ، فالعامل الأول يعبر عن إبطال الأستاذ المحاضر لملكات التحليل و التركيب و النقد ، مقابل إستحضار ما دونه الأستاذ في المطبوع بحذافيره .
عدم تحمل المسؤولية :
لم يعد الطالب اليوم يفكر بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه بعد تخرجه ، إذ أصبح يختزل المرحلة الجامعية في تحصيل الشهادة ؛ لا يستطيع الطالب اليوم إستيعاب مدى إحتياج بلده لأنتلجنتسيا مستقبلية تساهم في قيادة المجتمع و تطويره . فالجامعة باعتبارها حاضنة للفكر ، تلعب دورا رئيسيا في تكوين هذه الأنتلجنتسيا ، و المرحلة الجامعية بصفتها إحدى المراحل الدراسية ، عامل أساسي في تكوين الطالب و بوثقة وعيه
الشعور بالملل :
يتحمل بعض الأساتذة دورا رئيسيا في هذا العامل ، فاستمرارهم في سلك مسالك تقليدية خلال إلقاء المحاضرات ، يقلل من فرص إستيعاب الطالب للمحاضرات و حضورها . لذلك ، يتوجب على الأستاذ تشويق الطلبة من خلال إدخالهم في جو المحاضرة ، تتبلور ميكانيزمات هذا الإجراء من خلال إستحضار السيرورة التاريخية التي بلورت حدثا معينا ، إضافة إلى إلقاء محاضرات تفاعلية يشترك الطالب مع الأستاذ من خلال الأسئلة أو الإعتراضات التي تمكن الطالب من الإستيعاب أكثر … .
فقدان الثقة :
عندما يفقد الفرد ثقته ، فهو يفقد فرصته في إبراز كينونته ؛ فالطالب بصفته فاعلا في المجال المحيط به ، تقابله عدة عراقل إن استسلم لها ، فقد استسلم لكل سلوك يقلل من ثقته بنفسه ؛ أبرز سلوك يتمظهر في سياق حديثنا هو الغش ، فالغش يؤدي بالطلبة نحو الكسل و الخمول مما يعرضهم لفقدان الثقة خلال تواجدهم داخل أسوار الجامعة .
إستهثار المراقبين :
يتحمل المراقبون دورا كبيرا في طغيان ممارسات الغش ، فالتساهل من جهة ، و ترك الفرصة سانحة لمن يلجأ للغش ، و التعاطف أحيانا أخرى ، يساهم في تشجيع الممارسين على الإستمرارية ، حيث يوفَّر الجو المناسب لهم . بهذه الكيفية يستسلم طلبة أخرون منهم الباحثون للغش ، فإنعدام تكافئ الفرص يساهم في إنتشار عدوى الغش بشكل مهول ؛ كما تلعب نرجسية بعض الأساتذة دورا كبيرا في الموضوع ، فالأستاذ الجامعي أصبح يعتبر ذاته أرقى من مراقبة الطلبة أثناء الإمتحان ، حيث يعتبر البعضُ منهم أن مهمته تتمثل في إلقاء المحاضرات و (البحث العلمي) فقط ، متناسين الجانب الأخلاقي للمهنة . قد يعاتبني البعض عن هذا المعطى الأخير . لكن ، يمكنكم الإطلاع على محضر حضور الأساتذة المطالَبين بالمراقبة و تغيبهم المتكرر دون إبداء أسباب موضوعية للتأكد مليا مما أقول .
تضاؤل دور الحلقيات الطلابية :
إن كانت الحلقيات الطلابية سابقا ملتقى للطلبة من مختلف المشارب و الخلفيات الإيديولوجية ، كما اعتبرت ساحة للتصويت على طرح معين بشكل ديمقراطي . فإن دورها اليوم تراجع بشكل جلي للملاحظ ، يمكننا تأكيد هذا المعطى من خلال إنغلاق طلبة الفصائل على الماضي غير آبهين بالمعطيات الحديثة و المستجدات التي أرخت بظلالها على البلاد عموما و على الساحة الجامعية خصوصا ، أصبح الطلاب مع هذا المعطى غير مكترثين لدور الفصائل في تأطير الطلبة . كما يمكننا الإشارة إلى تعاطف بعض طلبة الفصائل مع هؤلاء الفئة (الغشاشين) فقط لأنهم في موضع الصدام مع الإداريين داخل الجامعة ، مما شجع بعض الطلبة على الغش ، كما ساهم في إنحسار دور الفصائل و صدى الحلقيات الطلابية (طبعا لا أتحدث عن الجميع) .
الكسل و الخمول :
يرغب الطلبة اليوم في الحصول على نقاط عالية دون بدل أدنى مجهود يذكر ؛ أصبح الطالب على إثر هذا العامل يلجأ للكثير من الممارسات الدنيئة كالغش ، تسول النقط من الأساتذة ، الإبتزاز ، التهديد ، الوشاية ، التذلل .
السبب الديني :
يرى غالبية المتتبعين لتنامي ظاهرة الغش ، أن الدين و التدين زاجر لهذه الظاهرة . لكنني لا أتفق مع طرحهم ، إذ أرى أن الدين أحد العوامل المساهمة في تنامي ظاهرة الغش ، لعل أبرز ما يؤكد كلامي أن جل الدراسات المنجزة في البلدان الغربية ، تؤكد أن طلبة المدارس المسيحية أكثر ممارسة للغش من نظرائهم في المدارس العادية . أما فيما يتعلق بالدين الإسلامي ، فالمصدر الأول للتشريع أي “القرآن”، يحصر الغش عند مظهر واحد ، يتمثل في “الغش بقسط الميزان” (سورة المطففين) . أما فيما يتعلق بالمصدر الثاني للتشريع ، غالبا ما تتم رواية الحديث الذي أخرجه مسلم و الترمذي ناقصة “من غشنا فليس منا” الذي نصه كما يلي :
عن أبي هريرة أن الرسول مر على صبرة طعام ، فأدخل يده فيها ، فنالت أصابعه بللا فقال : ما هذا يا صاحب الطعام ، قال : أصابته السماء يا رسول الله ! قال : أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس ؟ – من غش فليس مني ، و في رواية أخرى “من غشنا فليس منا” الحديث رقم 176 .
إذا ، فالمصدر الثاني للتشريع ، يحدد الغش في أحد مظاهره . لذلك ، يعتبر بعض الطلبة الهدف وراء ممارسة الغش في الإمتحانات محددا للأحقية في ذلك . كما نجد بعض الطلبة يشككون في متن أو سند حديث معين (علما أن الغش ترفضه المنظومة الأخلاقية في كليتها) . أما بعض الطلبة يتبجحون بآية أن الله غفور رحيم اعتبارا لنبل مقصدهم .
