العرائش نيوز:
بقلم : عبد القادر العفسي
إلتقينا صُدفة .. لدينا معرفة سطحية أحدنا بالآخر، أردنا أن نعرف هل الوطن لنا .. ؟ كل منا نحن الثلاثة قادم من أمكنة و أزمنة مختلفة نمى فينا الاغتراب عن الوطن بالولادة ، لكن نُخالج همومنا و ننازعها و نتجاذبها، فكل واحد يعبر عن الفكرة بقضيته حيث الكلام ينسكب في حالة الوِجد و السكر و الصحوة كخط بياني ليس متطابق لا في الانفصال و لا في الاتصال و لا في التصور … الأول منا أطلقت عليه ( المعزوفة ) لأنه: عزف معزوفة لذائد الدنيا وحياتنا المادية يقترب من المال و يبحث عن الجاه يعتقد نفسه منفردا متفردا في الخلق و الصفة ، يحرك حاجبيه و يتحدث بكلام فائض فقال : إن كل النساء تحُبني ..؟ فسألته عن استحياء و بلباقة الاحتيال و التعميه : حقا إنك كذالك ..! ثم قال في تعريض: تتذكرون تلك المرأة التي أعطتني رقم هاتفها أعتقد أنها تحبني ..! فلم أسأله .. فقلت له : إنها تُحبك! ثم شعرت بلسعة لحست عقلي ، كانت تلك السيدة تُعول على جسدها لتعيش يوم آخر في وطن هي مغتربة فيه كذلك، و صمت طويلا .. أتمنى لها التوفيق.
فحدثنا “مولاي علي” و هو الثالث فينا، وطنه هو وطننا لكن له وطن ميتافيزيقي آخر ثاني، تجده رافضا للواقع الرديء بمظهر المثقف الحقيقي يتخذ موقفا نقديا دائما لكل امتداد لسلطة تريد أن تستأصل إنسانية الإنسان، سميك المظهر مرتب الملبس … فاجئنا و فاجئ المكان الصامت بشفاهه الصارمتين و قال: إن الجريمة و الفساد بالبلد شملت كل المرافق، و لدي إحساس رهيب بالانهيار عندما لا تستطيع مؤسسات الدولة ايجاد حلول واضحة لـ “الجريمة المنظمة”، ثم استرسل و قال (عن لسان “ابن خلدون) : إن انتشار الفساد يدفع بعامة الشعب إلى مهاوي الفقر والعجز عن تأمين مقتضيات العيش، وهو بداية شرخ يؤدي إلى انهيار الحضارات والأمم .. إن المجتمعات لا يصيبها الترهل إلا عندما ينخرها الفساد.
فقلت له فعلا إن الفساد أضحى قيمة و نمط و عادة و ذهنية تشبعت بالمبررات فقد أصاب كل الأخلاقيات، و أضحى مع سلوك الأفراد في الادارة و كل المؤسسات حتى تهريب العملة و البشر و الشجر و الحجر… فغابت معه المصلحة العامة و تم الإخلال بكل القواعد..حتى تعرض كل المجتمع الى الاضطرابات و الفقر و الحرمان و أحال كل شيء إلى حطام و حرمان فلا نستطيع لا التنادي الى القضاء و لا إلى المؤسسات، أعتقد أنه يجب مناداة “أنقرة” ؟ .. و هذا ما يتبناه “الجيل الرابع من الحرب” كجريدة “هيسبريس” و غيرها المحسوب على قاعدتها و هي تنقل الفساد! و بعض الاضطرابات المجتمعية ..! و تُعد في نفس اللحظة ذاتها أشرطة فيديو خاصة عن ثمن ساعات “الملك” كأنما القول هنا سبب الحرمان أو هنا يجيب إنهاء اللعبة بترك “السلاجقة” يداعبون ما تبقى من الوطن بابتزاز طافح كما يصرخ أصحاب الراح… و الكثير من النماذج هنا..! أليس هذا الامر مُربكا و غريبا ..؟ رد علينا ” مولاي علي” _ و (المعزوفة) يُنصت لما يخالجه من تجاذب و تنازع : نعم ( و هو يبتسم ) ، قد يحسبك البعض مجنونا أو يحسب الآخر تريد أن تنهي دوامك فيما بدأتموه و استكمله الأستاذ “عبد اللطيف الصبيحي” ! إذن تأمل معي هذا:
كْبْرها تْصغار .. لِمَاعَنْدو للاه عَنْدُو سِيِدو ..
المْغَاربي ضْربو غِير فكرشو…
كُلْشي كيسرق غِير كُولْ وْكْل .. كْبيرْ الكْرْرش يتفركَع ..
جُوَع كْلْبك يْتْبعك … سْبَق الميم تْرتاح …
لِتْخْدمو طِيعُو و لِتْرهنوا بِيعو .. يْعيش مْنِ صْباح ..
ألى شْتِيه راكْبْ القَصبة قُولو مْبْروك آسِيي ..
فقلت كيف ذلك “مولاي علي” فقال : كل هذه المفاهيم من الموروث الثقافي للأمثلة الشعبية المغربية تُحيلنا الى ميكانيزمات تصريف الجريمة في خضم التستر على عدو و الناهب للوطن من طرف مسؤول أكبر منه الذي يمده بالعمولة و الاتاوة من غنائمه أو ما شابه ذلك، لذلك هم مُحصنون، مُحصنون … إنّ هذا خلق عند الفرد المغربي إيمان راسخ في إمكانيات قوية للهروب و النجاة من العقاب … فما سرقة غرفة نوم “الملك” نموذج فاقع و الجسارة تأتي هنا: ” ما يْدها غِير الزْعيم أو مْسخوط الوطن وِ الوَليدين” … ثم استدار بسرعة و قال: أن النماذج التي تعشق الفوضى و تلعب على الأوتار سواء كانوا طابورا خامسا أو جيلا رابعا فتلك نسخة مصغرة من مستشفى الامراض العقلية من بنية فاسدة ككل مستعدة لفعل أي شيء، فالوطن بالنسبة لهم كالبقية “البقرة الحلوب و من يدفع أكثر” ، ببساطة أنه انعدام الجزر و الردع و إذا حدثهم قالوا: نحن الحكومة الوطن و إذا قلت لموظف يسبب المتاعب و راكم ثورة هائلة بحلب الإنسان المغربي قال: أنا القانون ..!
صمتنا برهة في تأمل و حسرة كأننا حاملين كل هم للوطن و صراخ جائع و متألم برد في اسقاع الجبال … حتى سمعنا صراخ السيد (المعزوفة ) فقال: أقسم لكم إنها تحبني، بدليل أنها و افقت مواعدتي في مطعم على الغداء بعدها سنجلس معا لاحتساء القهوة ( سعيد هو ) ، نظرنا إليه و صحنا بصوت واحد: أنت ضرورة وجودية لكي تدفع البقشيش للنادل و تسعد الاقل منك ألما … فلا لازال الأمل بهذا الوطن العزيز!
