العرائش نيوز:
المعطي منجيب
شهد المغرب في القرن العشرين أربعة انقلابات أو محاولات انقلاب مهمة وقعت كلها في عز الصيف، ثلاثة منها وقعت في شهر آب/أغسطس وهو أحر الشهور في المغرب. لنبدأ أولا بعرض سريع لهاته المؤامرات الكبرى التي استهدفت كلها الجالس على العرش. كان الانقلاب الأول هو انقلاب الأمير عبد الحفيظ على أخيه السلطان عبد العزيز وإعلان نفسه سلطانا بدلا عنه وذلك بمراكش في شهر آب 1907. وسنة بعد ذلك هزمه في معركة طاحنة وفاصلة في نفس الشهر. ارتكب عبد العزيز خطأ جسيما تمثل في اعتماده على أسلحة فرنسية وخبرة ضباط سامين من جيش الاحتلال الفرنسي. كان هؤلاء قد شاركوا في احتلال الدار البيضاء بضعة أشهر قبل ذلك. هذا التعاون الميداني مع قوات الاحتلال المبغوض جعلت عبد العزيز يظهر وكأنه عميل للقوة الاستعمارية الأهم بشمال افريقيا وهي فرنسا والتي كانت قد دقت أوتادها بعمق بالجزائر وتونس وجزء من موريتانيا منذ القرن الفائت. المؤامرة الثانية التي وقعت كذلك في نفس الشهر من سنة 1953 هي تلك التي استهدفت السلطان الوطني محمد الخامس وكان قد قادها من الجانب المغربي باشا مراكش الشهير التهامي الكلاوي. أطاح إذن الفرنسيون والعملاء المغاربة بالسلطان الذي كان يعرف آنذاك بمحمد بنيوسف حيث نفوه إلى جزيرة كورسيكا ثم جزيرة مدغشقر. سيضطر الاستعمار تحت ضغط المقاومة والحركة الوطنية إلى إرجاعه إلى عرشه بعد سنتين ونيف فأنشد المغاربة ورقصوا بالرباط لاستقباله: «عامين وثلاثة شهور والملك ارجع منصور!».
كان رجوع الملك إلى عرشه ايذانا بنهاية عهد الاستعمار المباشر حيث وُقعت اتفاقيات الاستقلال بين المغرب وفرنسا ثلاثة أشهر ونصف بعد عودته.
أما فيما يخص المؤامرتان الأخريان، فكان قد قادهما الجيش ضد الملك الحسن الثاني. كانت الأولى يوم العاشر من تموز/يوليو 1971 والثانية يوم 16 آب/أغسطس من السنة الموالية. فشلت الأولى بسبب النزاع الذي انفجر في عز الحدث بين الرأس المدبر الجنرال المذبوح والقائد العملياتي للانقلاب الكولونيل عبابو. جرت الأحداث بالصخيرات وهي مدينة ساحلية يوجد بها قصر للملك وتقع جنوبي الرباط…سأل عبابو وهو ضابط معروف بمزاجه الحاد قائده المذبوح عن مكان وجود الحسن الثاني، فحاول هذا المناورة خوفا على حياة الملك، فما كان من عبابو إلا أن صفاه في الحال. هل أطلق النار عليه بنفسه أم أمر مساعده الوفي وأمهر رماة المدرسة العسكريةً هرمومو، حاروش عقا بإفراغ رشاشه في بطن المذبوح؟ اختلفت شهادات الحضور ومن الصعب معرفة الحقيقة.
يبدو أن المذبوح كان يريد الاكتفاء بتنازل الملك عن العرش بينما عبابو كان يرى أن الحل الجذري الوحيد هو تصفية الملك والملكية. أما الجنرال محمد أوفقير الذي سهر بأمر من الحسن الثاني على تصفية الانقلابيين قبل أن يبدأ هو نفسه في تهييء انقلابه فلا ندري ماذا كان هدفه الحقيقي، الجمهورية أم أن يصبح هو شخصيا وصيا على ملك طفل وحاكما فعليا للمغرب؟ ما كان واضحا ومؤكدا هو أنه كان يريد قتل الحسن الثاني بإسقاط طائرته في البحر الأبيض المتوسط عند مغادرتها الأجواء الإسبانية. لكن حظ بل «برَكة» نجل محمد الخامس جعلته يعطي الأوامر بإقلاع طائرته قبل الوقت المحدد لذلك بعدة دقائق فأربك ذلك خطط المتآمرين. ورغم أن الطائرة الملكية تلقت نيرانا لابأس بها مما أحدث ثقوبا من عشرات السنتيمرات في جسمها فإنها لم تسقط ووصلت حتى مطار الرباط/سلا. هذا الفشل الذريع جعل أوفقير يفكر في خدعة ومؤداها إقناع الملك بأنه لم يكن في علمه شيء بل أنه حاول حماية الطائرة الملكية مباشرة بعد توصله بخبر يفيد تعرضها لهجوم في السماء بينما كانت تقطع المسافة بين تطوان والقنيطرة. لكن الحسن الثاني كان قد فقد الثقة في أوفقير منذ مدة…وهكذا أعلنت الإذاعة الرسمية في البداية أن الجنرال انتحر انتحار الوفاء نظرا لفشله في اكتشاف خيوط المؤامرة غير أنها عادت لتعترف أن أوفقير كان هو مدبر المحاولة الانقلابية وأنه انتحر فعلا بإطلاق ثلاث رصاصات على نفسه. المشكل أن الرصاصات كانت قد اخترقت جسمه من الخلف إلى الأمام. صحيح أن الجنرال كان رجلا رياضيا، لكن أن يحمل بندقية ثم يوجه فوهتها من خلف جسمه إلى الامام…أمر غريب!
هل صدفة أن تقع كل هذه المؤامرات في عز الصيف؟ سؤال يقفز في الختام للذهن حول زمن حدوث هذه المؤامرات الذي تزامن مع الصيف، ويمكن أن نفترض على الأقل فيما يخص الانقلابات الثلاثة الأخيرة أن الأسابيع الوسطى في الصيف هي على العموم وقت الراحة والاستجمام والابتعاد عن هموم السياسة والتدبير. ولهذا يتوفر الوقت أولا للمتآمرين للقيام بآخر الترتيبات قبل المرور إلى التنفيذ. ثم إن المؤسسات القائمة تضعف يقظتها أثناء هذه الفترة من السنة إذ تكون في حالة ارتخاء كبير، هذه فرضية من ضمن ما قد يفسر مؤامرات الصيف.
