ثعبان مدينتي…

العرائش نيوز:


ثعبان مدينتي…


بقلم: عبد القادر الدحيمني


انتشرت بشكل واسع إشاعات في سوق أربعاء الغرب ونواحيها، لا تعرف حسب علمي مصداقيتها، بأن هناك ثعبانا ضخما خرج من مقبرة سيدي عيسى فصدمه القطار، وتضاربت الأخبار والمعلومات عن الثعبان تضاربا كبيرا، وصار حديث الناس اليومي، كبيرهم وصغيرهم، متعلّمهم وأمّيّهم، هو حديث الثعبان، كم طوله وكم وزنه، وكيف خرج، وكيف صدمه القطار، وماذا كان يأكل، وكيف كان يعيش، وهكذا اجتهد الناس في التفسيرات وبالغوا في التقدير والاهتمام حتى صار الأمر حقيقة، أسطورة كبرى، تحوّل معها الثعبان، إن كانت قصة العثور عليه صحيحة من الأصل، إلى قضية رأي عام تشغل الناس وتثير فضولهم وتساؤلاتهم.
ذهب البعض إلى أن الأمر يتعلّق ب”الشّجاع الأقرع” الوارد في أحاديث عذاب القبر، واعتبره آخرون أناكوندا كانت تعيش في مرجة الدعادع وتأكل جثث الموتى، وتخيّل آخرون قصصا وهمية ورعبا، وعقابا وشيكا..

معذرة عن الإسهاب ولكنني ما كنت أتحدّث في الموضوع وأهتمّ به إلا لأنني مهتمّ كثيرا بالرأي العام وبفكر أهل مدينتي واهتماماتهم وأسئلتهم.


لقد تبيّن أن الإشاعة لا زالت تركب المخيلة الغرباوية بامتياز وتتفشّى فيها بسرعة النار في الهشيم، وتبيّن أن العقلية الشعبية الميّالة للأسطرة والتضخيم هي الغالبة على نمط التفكير، وتبيّن أن اهتمامات الناس فعلا غريبة ولا يشدّ انتباههم ويفوز به إلا الموضوع الغرائبي الضّارب في العمق العقدي سواء كان صحيحا أو منحرفا..


وتبيّن أن على نخب المدينة، إن وجدت، أن تطوّر خطابها وآليات تواصلها، وتعيد ترتيب الأولويات في ظل تفشّي الأمية وفي ظل غياب وعي حقيقي، وهذه مهمة الجمعيات الثقافية والتربوية والأحزاب التي لا تظهر إلا في مناسبات الصراع على الكراسي، لبث الوعي وتوجيه اهتمام الرأي العام لقضاياه الحقيقية..


نعم، هناك ثعبان في سوق أربعاء الغرب..


لكنه لم يخرج من الدّعادع أو من المقبرة كما يزعم البعض..


نعم، هناك ثعبان، ولكنه لم يصدمه القطار، وهو أثقل وزنا وأكبر طولا وأغرب شكلا..


هناك ثعبان في مدينتي، ولكنه ثعبان أخطر وأكبر ولا يكتفي بأكل جثث الموتى وابتلاع الثعابين الصغرى..


ثعبان مدينتي هو الجهل المتفشّي بنسبة كبيرة في صفوف الناس..


ثعبان مدينتي هو الفساد المستشري في كل مفاصل المدينة وعروقها..


ثعبان مدينتي هو طرقها المُحفّرة ومزابلها المحيطة، ومشاريعها المتوقّفة..


ثعبان مدينتي هو صمتها وهي تتعرّض للاغتصاب ليل نهار من بلطجية عديمي الضمير وحبّ المدينة..


ثعبان مدينتي هو كل رجل سلطة يعتبرها كبقرة حلوب، ويتعامل مع أبنائها بغطرسة جلادي القرون الوسطى، ويهينهم ويمعن في ظلمهم..
ثعبان مدينتي هو كل منتخب نجح في الانتخابات بالمال الفاسد وتحالف مع الفاسدين ليبقى الفساد..


ثعبان مدينتي هو الضعف الذي يعتري مجتمعها المدني وبعض جمعياته وفعالياته التي يخترقها المخزن طولا وعرضا، فيتحكّم في حركاتها وسكناتها، في شهيقها وزفيرها..


ثعبان مدينتي هو غياب فضاءات للاستجمام وللطفولة وللشباب وللمبدعين..


ثعبان مدينتي لا يحب الثقافة ولا المثقفين، لا يستهويه شعر ولا نثر ولا أغنية إلا إذا عزفت ذلك اللحن المكرور ل”قولوا العام زين”، ورقصت على إيقاع رعاة الفساد..

 
ثعبان مدينتي هو العمل الموسمي لنخبتها السياسية، هو النزيف الذي تتعرّض له المدينة حين يضطر بعض أبنائها إلى البحث عن منافذ خارج أجوائها المقفلة..


ثعبان مدينتي هي نقط توزيع الخمور والمخدرات والدور المعدة للدعارة التي يحفظها المخزن عن ظهر قلب..


ثعبان مدينتي هو الفقر والحاجة والعطالة والبؤس الاجتماعي والفراغ القاتل..


ثعبان مدينتي هم أعداء العمل النافع الحقيقي، الذين يخافون من تربية الشباب على حب الخير وفعله والوقوف مع الحق وأهله..


ثعبان مدينتي هو كل من يحرص على تسويق الوهم والحرص على إفساد الشباب وتغييبهم عن هموم مدينتهم، وإقصائهم عن الشأن العام.
هذا هو الثعبان الذي أعرفه حقا، وأدعو كل الأربعائيين لمواجهته والتصدّي له كي لا يأكل أرزاقنا وحقوقنا، وكي لا يفسد حرثنا ونسلنا، وكي يكفّ أذاه عنّا وعن مدينتنا..


هذا هو الثعبان الذي علينا أن نعرف جميع جحوره ونفضحها، ولا نتركه يصول ويجول في ساحاتنا ويعبث بعقولنا وأرواحنا..
فلنطرد الثعبان من مدينتنا بوعينا وقوة إرادتنا وتكاثف جهودنا!


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.