تونس والمساواة: ثورة في الثورة

العرائش نيوز:

المعطي منجيب

صرح الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي يوم الإثنين الماضي بمناسبة العيد الوطني للمرأة «أقترح أن تصبح المساواة في الإرث قانوناً» ولم يتوقف عند الاقتراح بل أفصح عن قراره كرئيس للجمهورية بعرض مشروع قانون على البرلمان الخريف القادم، يساوي في الإرث بين المرأة والرجل. سيكون هذا القانون القرارَ الاجتماعي الأكثر ثورية منذ سقوط الرئيس بنعلي سنة 2011. كما سيكون القانون الأكثر تأثيرا على المجتمع ووقعا على العقليات منذ التصويت الشعبي على دستور 2014.
إن دروس التاريخ تبرهن على أن وضعية المرأة الاجتماعية ومركزها القانوني الدوني كان حجر عثرة أساسيا في طريق تقدم المجتمعات ـ أيا كانت ـ نحو المساواة والديمقراطية.فحتى البلدان الديمقراطية العريقة كبريطانيا وسويسرا وفرنسا لم تعترف بالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل إلا بطريقة تدريجية ومتأخرة في الزمن. وهكذا فإن المملكة المتحدة لم تعترف بحق المرأة في المشاركة في حكم البلاد عن طريق التصويت إلا في شهر شباط/فبراير من سنة 2018 أي قرب نهاية الحرب العالمية الأولى وبعد خمسين سنة من النضال النسوي المستميت على المستويين المدني والسياسي. تخللت هذا المسار النضالي العصيب مظاهرات بمئات الألوف، ومشاجرات تاريخية بمجلس العموم…وقمع وضحايا بل وأعمال إرهابية وتفجير قنابل. أما فرنسا فستتأخر عن المملكة المتحدة بما ينيف عن ربع قرن إذ لم تعترف بهذا الحق للنساء الا مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها سنة 1944. أما ما علاقة هذه القفزة الديمقراطية في البلدين بالحرب كنشاط بشري جمعي، فقضية لا يتسع لها المجال هنا مع الأسف.
أما في سويسرا وهي دولة عريقة الحداثة كذلك، لم تعترف أغلب الكانتونات المكونة للبلد بحق النساء في المشاركة الانتخابية إلا سنة1971 بل إن هناك كانتونا صغيرا تسمى حاضرته أبانزيل بقي رافضا لهذا الحق حتى العقود الأخيرة حيث صوتت ناخبته بـ 95 في المائة سنة 1990 في استفتاء شعبي ضد الاعتراف للنساء بنفس الحقوق الانتخابية التي لدى الرجال. فكان لا بد من تدخل المحكمة الفيدرالية في نفس السنة لفرض المساواة السياسية بين الرجال والنساء على أساس أن المساواة مبدأ دستوري مطلق وغير قابل للتأويل.
وهكذا فإن المجتمع البطرياركي أينما كان ومهما كانت هويته الدينية والحضارية يعتبر المرأة شخصا غير راشد أو على الأقل أنها أقل رشدا من الرجل. فبريطانيا حتى لما اعترفت سنة 1918 بحق النساء في التصويت في الانتخابات فإن ذلك الحق كان مشروطا بعمر الثلاثين بينما كان الرجال يصوتون ابتداء من عمر الواحد والعشرين.
ذكرنا كل هذا للتدليل كذلك على انه من الصعب جدا تغيير العقليات اذ تزول الجبال ولا تزول العادات كما يقال. وهكذا فالتقدم يحدث غالبا بمبادرة من النخبة وخصوصا من لدن المثقفين. وهذا ما حدث بالضبط في تونس.
فمنذ الثورة الديمقراطية لسنة 2011 عملت فئة واسعة ونافذة من المثقفات والمثقفين داخل المجتمع المدني والبرلمان ومؤسسات الدولة التنفيذية على حلحلة الأمور وذلك بالضغط من أجل المساواة في الميراث، وغير الميراث، بين المرأة والرجل.
ولكن كان لابد من توفر بيئة مواتية لتنجح النخبة في انتزاع هذا الحق من بين مخالب الفحولة السائدة. ولما نذكر البيئة هنا فنحن نعني بها أساسا مستوى التمدن الرفيع الذي وصلته فئة المتعلمين بتونس والتي لا يضاهيها فيه، بالمنطقة العربية، الا لبنان. وكان لابد مما يقرب من قرنين من التحديث التدريجي ولكن المضطرد والأصيل للمجتمع التونسي لنصل اليوم لهذه النتيجة. فتونس تميزت بحظ تاريخي منقطع النظير بالمنطقة وهو توفرها على نخبة،داخل السلطة وخارجها، تؤمن بأن «الحداثة هي الحل» وذلك قبل بورقيبة بكثير أي منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر. وهكذا أُسِّست بباردو أول مدرسة حديثة لتكوين جنود البحرية سنة 1840لتتلوها مدارس أخرى ومؤسسات صناعية وتجارية حديثة واصلاح زراعي وإداري بل ودستور حديث كان هو أول دستور في العالم العربي بل وجامعة تدرس جميع العلوم الحديثة. وكل ذلك وقع قبل أن تسقط تونس تحت الاستعمار في بداية الثمانينيات من نفس القرن. وهذه المعلومة الاخيرة بالغة الأهمية، فالتوانسة لا يقرنون بين الاستعمار والحداثة كما يفعل بعض المغاربة والجزائريين مثلا لأنهم ـ أي سكان تونس ـ دخلوها قبل الاستعمار، وإذن فلا عقدة لهم مع الحداثة مادامت منتوجا محليا يكاد يكون خالصا.
إن تحقيق الديمقراطية والمساواة الكاملة وعلى كل الأصعدة بين المرأة والرجل بتونس سيجعل من هذا البلد قاطرة التنمية الديمقراطية بالمنطقة العربية ونبراسا يهتدي به العرب وغير العرب بالشرق الأوسط وشمال افريقيا. وكما يعلم الجميع فالمرأة تلعب بكل المجتمعات، تقليدية وحديثة، الدور الأهم في تربية الأطفال وإذن المجتمع. ولهذا فإنه لما يتم التمكين بشكل كامل للمرأة على المستوى القانوني والسياسي فإن المجتمعات تشهد ما يمكن أن نسميه بنسونة القيم (Féminisation des valeurs) وأجمل ما في هذه النسونة هي تراجع العنف على سلم القيم الاجتماعية. حيث يصبح استعمال القوة الفيزيائية منبوذا ليس فقط في العلاقات البين ـ فردية ولكن كذلك في تدبير الشأن العام أي في مجمل العلاقات بين الدولة والمواطن.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.