الدخول السياسي: اشتدي أزمة تنفرجي

العرائش نيوز:

المعطي منجيب

أثارت الصحافة بالمغرب بداية هذا الموسم جملة من التحديات المطروحة في الدخول السياسي الراهن، فما المقصود بالدخول السياسي بدءا ؟ غالبا ما يحيل الدخول السياسي في الدول الديمقراطية إلى رجوع فعلي للرئيس، أو الوزير الأول في الأنظمة البرلمانية، وأعضاء الحكومة والبرلمان من العطلة الصيفية التي يكونون قد قضوها في الخارج أو في جهات في البلاد خارج العاصمة فينعقد مجلس الحكومة الأول وتثار فيه في الغالب أهم ملفات السنة السياسية المقبلة وكذلك الملفات العالقة أو الحارقة. وترد المعارضة والنقابات والرأي العام على مبادرات الحكومة وخطابها حول الشأن العام. هذا في الديمقراطيات الانتخابية أما الأنظمة غير الديمقراطية فأشكال الدخول تتعدد وقد لا يكون هناك دخول على الإطلاق فالزمن السياسي يتماهى وأجندة الماسكين بخيوط الحكم .
‎وعلى طريقة بعض الصحافيين الفرانكوفونيين المغاربة الذين يستعملون هذا المفهوم سيرا على نهج الفرنسيين، دأب الصحافيون المغاربة في السنوات الأخيرة على استعمال هذا التعبير غير متسائلين هل هذا المفهوم يصلح لوصف استعمال الزمن السياسي السنوي المغربي أم لا؟ وإذا افترضنا جدلا أن الدخول السياسي المغربي يبتدئ بعد العطلة الصيفية أي مع الدخول المدرسي، فليكون حقيقيا يفترض أن ينعقد فيه مجلس للوزراء يترأسه الملك ويتناول أهم الأمور للسنة الاجتماعية التي على الأبواب ثم تبدأ الدورة التشريعية الخريفية إلخ.
‎وحتى لا أطيل ..أظن أن أهم الملفات السياسية المطروحة الآن ـ ولن أتناولها كلها فالحيز لا يسمح بذلك ـ هي ملف معتقلي الريف والمحاكمات السياسية على العموم وملف الحريات ومنها حرية الصحافة واعتقال توفيق بوعشرين وحميد المهداوي وغيرهما والتجنيد الإجباري والتعليم و لغاته ومجانيته والمقاطعة ومآلها..
‎لنبدأ إذن بقضية معتقلي الرأي القابعين بسجن عكاشة وغيره. أولا فقد فشلت الدولة فشلا ذريعا في إقناع المغاربة أن هؤلاء المواطنين مجرمون وخونة وانفصاليون وأنه يتعين معاقبتهم، والدليل على هذا الإخفاق الكامل في تأليب الرأي عليهم هو إطلاق سراح جزء كبير منهم، فهل يعقل أن تطلق الدولة سراح أناس خطيرين على المجتمع كما حاول الإعلام الرسمي والأمني إقناعنا..؟ إنه بعفو عيد الأضحى على جزء مهم من الشبان المعارضين تم نوع من إعادة التسديد الذكي لاحتواء الوضع جزئيا . أتمنى أن تكتمل المبادرة الملكية بإطلاق سراح ناصر الزفزافي وكل رفاقه من الريف وغير الريف وحل المؤسسات الجهوية والبلدية المنتخبة بجهة الشمال التي يلحظ القاصي والداني عدم مشروعيتها والتي ساهمت في إثارة الأزمة أو على الأقل لم تستطع المساهمة في حلها وكذلك تنظيم انتخابات برلمانية سابقة لأوانها بنفس الجهة. مع تكوين لجنة مستقلة لتشرف على انتخابات نزيهة وحرة وشفافة ولاشك أن لائحة ناصر ورفاقه ورفيقاته سيفوزون بالريف فيمثلونه بالمؤسسات المركزية (البرلمان) والجهوية و البلدية وقد يكون ذلك بداية ثورة سياسية سلمية أصيلة تعم شيئا فشيئا كل جهات المغرب فتعمل على إنقاذ مشروعية الدولة الآخذة في التضاؤل وتدمج النخب الصاعدة و المهمشة في مؤسساتها لتحارب الفساد و الاستبداد وتبادر بإعادة توزيع الثروة بشكل منتج اجتماعيا واقتصاديا ..لكن هل هناك ما يكفي من الجرأة السياسية للنظام ليدشن هذه الثورة؟
‎ملف آخر ساخن ينتظر الحل العاجل وهو قضية بوعشرين واعتقاله التحكمي اللاقانوني. أعتقد أنه يتعين على الدولة أخلاقيا وسياسيا وقانونيا إطلاق سراح هذا الصحافي المحترم ليرجع إلى عائلته وقرائه. أما الصحافي المهداوي فيظهر لي أنه من الواجب إطلاق سراحه وجبر ضرره والاعتذار له. أما عن حرية الصحافة عموما فأتمنى أن يطلق سراحها كذلك وأن تعود على الأقل إلى ما كانت عليه من حيوية وحرية نسبية خلال سنوات 1997 ـ 2003، فهل هذا كثير على النظام ؟ ‎وهنا يجب التنبيه على أن هناك ترابطا ضروريا بين ثلاثة أمور هي : حرية الشعب ومشروعية النظام واستقرار البلاد. ومن يتجاهل هذا المعطى الأساسي المبرهن عليه نظريا وتاريخيا فهو يبيع الوهم للنخبة المتحكمة التي تعميها مصالحها وتصفق لسياسات النظام الهادفة للضبط وتضييق فضاء المنافسة السياسية.
‎أما فيما يخص التجنيد الإجباري، فبإيجاز: تم إقراره لأول مرة في المغرب سنة 1966 أي حوالي سنة بعد المظاهرات الشعبية والشبابية العارمة لربيع 1965 والآن تقرر العودة من جديد للتجنيد الإجباري حوالي سنة من قمع ربيع الريف لمحاولة مراقبة وتطويع الضمير الرفضوي للشباب. لم ينجح قرار 1966 بسبب طابعه السياسوي فتوقف تطبيقه وأظن سيلقى القرار الجديد نفس المصير..
‎في ظل هذا السياق المتأزم والمضطرب يراود العديد من الملاحظين والنشطاء أمل في تغيير قريب. ليس تغييرا ثوريا ولكن مبادرة مصالحة جديدة تأتي من داخل النظام. ما هي علامات هذا الانفتاح الجديد؟ شعار من يدفع بهذا الرأي هو «اشتدي يا أزمة تنفرجي». وهنا يحلل أصحاب هذا الرأي أن النظام المغربي منذ السبعينيات نظام سلطوي مرن يفضل السياسة على الدم وفقدان بعض السلطة لمدة من الزمن على المغامرة بفقدان كل السلطة كل الزمن. وهنا يتم التذكير بالأزمة الكبرى بين الشعب والقصر في بداية التسعينيات لما تم التعامل بقمع دموي مع إضراب ومظاهرات 1990 ثم التعارض المطلق بين الشارع والحكم فيما يخص الموقف من الحرب على عراق صدام حسين، تم الخروج من هذه الأزمة بالإطلاق التدريجي للحريات العمومية ابتداء من أوائل التسعينيات ثم تشكيل حكومة التناوب … هذا عن فترة الملك الراحل الحسن الثاني، أما في عهد الملك محمد السادس فيتذكر المتذكرون أنه وقع تراجع خطير على مستوى الحريات وحقوق الإنسان والجو السياسي العام ابتداء من 2003 وبلغت الأزمة أوجها سنة 2008 باعتقال ستة معارضين سلميين منهم زعماء البديل الحضاري وحزب الأمة كما تم خلق «حزب الدولة» في نفس السنة. الأزمة بين النظام و الشارع ستصل أوجها خلال سنة مظاهرات عشرين فبراير ..ليتراجع الحكم فجأة عن سياسة الضبط و التحكم فيطلق العديد من المعتقلين السياسيين مع توسيع الحريات و الوعد بإصلاحات ديمقراطية عميقة. هذا ما يقول البعض فهل من سميع؟


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.