وفاة مهندس المخزن الاقتصادي

العرائش نيوز:

سليمان الريسوني

بوفاة محمد كريم العمراني، يكون المغرب قد فقد رجلا عرف مبكرا أن الشواهد لا قيمة لها في المغرب، وأن المال يُخضع الدراسة والسياسة في بلد كان ملكه الراحل يشتكي من المتعلمين الذين تحولوا إلى يساريين، ويقول إنه بمستطاعه أن يجعل من سائقه وزيرا. لذلك ترك كريم العمراني مقاعد الدرس قبل الباكالوريا وتفرغ لجمع المال، ولاحقا جمع المال بالسياسة.

عاش كريم العمراني إلى جانب الحسن الثاني فترتين صعبتين عرف المغرب خلالهما أربعة أحداث مفصلية. الفترة الأولى ما بين المحاولتين الانقلابيتين، فالرجل دخل المشور السعيد بعد 25 يوما فقط، من المحاولة الانقلابية الدموية التي شهدها القصر الملكي بالصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، وعاش وهو وزير أول المحاولة الانقلابية الثانية في غشت 1972. ولكم أن تتصوروا أي رجل كان يحتاجه الحسن الثاني في هذه الفترة القصيرة والعصيبة التي اهتز خلالها العرش، في محاولتين انقلابيتين متقاربتين لم تستطيعا تغيير نظام الحكم، لكنهما غيرتا أسلوب حكم الجالس على العرش.

في هذه الفترة عين الحسن الثاني كريم العمراني وزيرا أول، دون أن يجرده من منصبه كمدير للمكتب الشريف للفوسفاط، الذي يعتبر أول مؤسسة استعملها الحكم في المغرب لجمع المال بالسياسة. ولا أعتقد أن جمع العمراني للمنصبين المالي والسياسي كان محض صدفة، إذا ما استحضرنا التوجيه الذي كان الحسن الثاني قد أعطاه، في هذه الفترة، لكبار الضباط العسكريين بالابتعاد عن السياسة والاهتمام بالثروة وإطلاق يدهم في الضيعات الكبرى وأعالي البحار. وإذا كان الضباط الانقلابيون قد برروا ما أقدموا عليه بالفساد المالي الذي عرفه نظام حكم الحسن الثاني، فإن هذا الأخير كان له رأي آخر: العسكر انشغلوا بالسياسة حتى أغرتهم بالحكم، وخير سبيل لإبعادهم عنه هو إشغالهم بالمال. وإذا كان هذا الحل، إلى جانب غيره من الإجراءات والضوابط التنظيمية التي عرفتها المؤسسة العسكرية بعد المحاولتين الانقلابيتين، قد لجمت الجيش عن التفكير في الانقلاب على الملك، فإنها أطلقت اليد للفساد والإثراء غير المشروع الذي استشرى بين كبار القادة العسكريين والسياسيين. وإذا أضفنا إلى ذلك ما عرفته الفترة من رفع لقيمة الإنفاق العسكري خلال حرب الصحراء، والتي قدرت تكاليفها بمليون دولار يوميا، وأيضا انخفاض قيمة الفوسفاط في السوق الدولي… فسنعرف كيف أشهر صندوق النقد الدولي الورقة الحمراء في وجه المغرب وألزمه بتطبيق سياسة التقويم الهيكلي، فلم يجد الحسن الثاني خيرا من كريم العمراني لتشكيل الحكومة مرة أخرى.

انطلق التطبيق الصارم لسياسة التقويم الهيكلي، مع قانون المالية لسنة 1983، حيث خفضت ميزانية الدعم المخصصة لصندوق المقاصة بـ600 مليون درهم، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية. كما تم حذف 19 ألف منصب مالي في الوظيفة العمومية… مما أجج انتفاضة يناير 1984 التي وصف خلالها الحسن الثاني المحتجين بالأوباش.

لقد قاد كريم العمراني، خلال هذه الفترة أربع حكومات بشكل متواصل، من 30 نونبر 1983 حتى 25 ماي 1994، محققا رقما قياسيا لم يصله قبله ولم يحطمه بعده أي وزير أول. وقد بدأ هذه الفترة بحدث انتفاضة 1984، وأنهاها بحدث المفاوضات الأولى مع الكتلة الديمقراطية لتشكيل الحكومة في 1993 والتي انكسرت على صخرة إدريس البصري، الذي رفضه امحمد بوستة وتشبث به الملك ليتأجل مشروع التناوب خمس سنوات أخرى.

يستحق كريم العمراني بحق لقب مهندس المخزن الاقتصادي، فالرجل ظل بعيدا عن الأحزاب قريبا من مربع الحكم، وعرف كيف يبني ثروته، ويوظف المال في السياسة لحل الأزمات التي داهمت الدولة، دون أن يحل الأزمات التي داهمت الشعب ولا تزال.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.