المهدي المنتظر

العرائش نيوز:

سليمان الريسوني

استدراكا لأي انزياح في الفهم، فإنني أقصد المهدي بنبركة، الذي نعيش ذكرى اختطافه الثالثة والخمسين، بانتظارين كبيرين؛ أن نعرف قبره، وأن يعرف الصف الديمقراطي واليساري زعيما بقوته ووضوح منهجه.

لذلك نرى كيف يلهج باسم المهدي، هذه الأيام، كل ورثة هذا الصف، بمن في ذلك الذين يحبون مهديا على المقاس، تقريبا بالمعنى الذي عبر عنه محمود درويش بقوله: «يحبونني ميتا ليقولوا: كان منّا وكان لنا».

وحتى نتجاوز ثنائية التقديس والتبخيس التي يتعاطى بها الكثيرون مع شخصية المهدي وإرثه، أستعير عنوان كتاب بنسالم حميش «في نقد الحاجة إلى ماركس»، وأقول إن نقد الحاجة إلى المهدي بنبركة ومنهجه في ممارسة السياسة هو ما نحتاج إليه الآن، خصوصا حرصه على أن يكون الحزب سلطة سياسية واجتماعية قوية ومستقلة وموازية لباقي الفاعلين، وفي طليعتهم القصر.

وهنا يجب أن نستحضر أن المهدي، وفي عز خلافه مع الحسن الثاني، وفي خضم نشاطه الأممي (التحضير لمؤتمر القارات الثلاث)، لم يرفض عرض تشكيل حكومة يقودها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ويكون هو عضوا فيها.

ومثلما سيرفض عبد الرحيم بوعبيد، في 1981، قرار الحسن الثاني إجراء استفتاء في الصحراء ليذهب إلى السجن برأس مرفوع، وعندما غادره دعاه الحسن الثاني إلى القصر فذهب بالرأس المرفوع نفسه، كان المهدي قد رفض، في 1963، أن يدخل المغرب في حرب مع الجزائر، واتُّهم بالخيانة وحكم عليه بالإعدام، لكن عندما اقترح عليه الحسن الثاني، بعد أحداث مارس 1965، تشكيل الحكومة، لم يمانع، بل طالب إمهاله إلى حين تنظيم مؤتمر هافانا، لكن رغبة قاتليه كانت أسرع من رغبته.

مع حلول ذكرى اختطافه السنوية، نتساءل فقط عن مصير جثة المهدي التي يخفيها قتلته، دون أن نتحدث عن مصير منهجه في ممارسة السياسة الذي يخفيه أولئك الذين يخيفهم إحياؤه. لذلك، فإن قتلة المهدي كثيرون، وبعضهم يحملون اسمه ودمه –معا- على رقابهم.

وحتى لا نتوقف عند هؤلاء ولا أولئك الذين بقوا، حتى عهد قريب، يشهرون اسم المهدي فزاعة في وجه الدولة فقط لانتزاع مكاسب حزبية ضيقة، أو أولئك الذين تجاهلوا مصيره وهم على رأس الحكومة وفي وزارة العدل، فإن الأهم بالنسبة إلي هو منهج المهدي في ممارسة السياسة رجل دولة حافظ على المسافة الكافية من الدولة. ولن تقوم للصف الديمقراطي واليساري قائمة إن لم يسلك هذا المنهج، مع مراعاة تفاصيل كل مرحلة وخصوصياتها.

إن استمرار الاتحاد الاشتراكي –مثلا- في حكومة جطو، المنافية للمنهجية الديمقراطية، في 2002، ودخوله حكومة العثماني، بطريقة تنتفي فيها الاستقلالية الحزبية في 2017، هو، أولا وقبل كل شيء، خروج عن منهج المهدي بنبركة. كما أن طريقة اشتغال أحزاب فدرالية اليسار، الأقرب إلى طريقة اشتغال النوادي السياسية وليس الأحزاب الجماهيرية، هي أيضا انزياح عن منهج المهدي بنبركة الذي جمع بين وضوح النظرية وقوة الممارسة.

أما عن الانتظار التاريخي لعائلة المهدي بنبركة، الصغيرة والكبيرة، للكشف الكامل عن مصيره، فإننا نأمل، هذه السنة أن يكون ما قاله أمين عام المجلس الوطني لحقوق الإنسان، محمد الصبار، عن توصل المجلس إلى حقيقة اختفاء بنبركة، وعن أنه سيكشفها للرأي العام في الأشهر القليلة المقبلة، أمرا جديا، وليس شبيها بما قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة، حين قلصت تقريرا من 200 صفحة أنجزه عضوها، عبد العزيز بناني، عن المهدي بنبركة، إلى صفحة ونصف، قللت فيها من مسؤولية أجهزة الأمن المغربية عن اختطافه واغتيال.

الشيء الذي اضطر الأستاذ بناني إلى إصدار بيان استنكر فيه ما قامت به هيئة الراحل إدريس بنزكري، كما أن الدكتور النشناش، الذي كان عضوا بالهيئة، اعتبر أن رئاسة هيئة الإنصاف والمصالحة تعاملت بشكل أمني مع ملف المهدي بنبركة.

ختاما، لقد عاش المهدي بنبركة، بالفعل، أكثر من جلاديه، وحتى من بعض رفاقه. وإذا كان نموذج الحزب الذي أراد تأسيسه والكثير من الأفكار التي دافع عنها قد تجاوزها أو طورها الزمن، فإن منهجه في بناء الأداة السياسية للإسهام بها في بناء المجتمع وبناء الدولة دون الانصهار فيها، هو ما نحتاج إليه اليوم وبشدة.

والمهدي بنبركة، بهذا المعنى، مهدي منتظر.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.