العرائش نيوز:
بقلم: عـــــزيــــز قنجــــــاع
عن دار سليكي اخوين صدر للروائي والكاتب محمد اليشيري مجموعته القصصية الاولى وسمها ب ” صاحبة المدينة ” وهو عنوان محكيته الاولى في مجموعته القصصية ، وقد اختار في جميعها فضاء مدينة العرائش مسرحا لاحداثها ، وسنحاول من خلال هذه القراءة بتوطئة من نفاذ لقصته الاولى “صاحبة المدينة” ان نعرج على عنصري الزمان و المكان بالمجموعة
تحكي قصته الاولى ونعني هنا محكية “صاحبة المدينة” عن الصراع الدفين حول تسيير ضريح للا منانة المصباحية بين السيدة ميمونة و سيدي احمد المكلف بالضريح او النقيب . السيدة ميمونة القائمة بأعمال الضريح من أشغال الرفادة و السقاية تتشابه مع الضريح، بل ان الضريح -المكان اكتسب حياته وطبيعته وملامحه من خلالها، خدمتها لزائرات الضريح ” الحمام الزاجل والحب المنثور، وجبانات الماء، المصباح اليدوي، والحكايا الليلية” انها تلخيص للزمن الذي كان وفي مكان محدد بالذات، فالمكان اذ رايناه من هذه الزاوية فهو وعاء للاحداث يحتويها ويشكل اطارها الجغرافي فضلا عن دوره الاساسي في صناعتها . واذا رايناه حيا متحركا تتراجع وظيفته الجغرافية والمادية ويتعاظم دورها اي “ميمونة”. في تشكيله الفعلي وفي تأجيجه تاركة أماراتها عليه في الوقت عينه. فتبدو ميمونة هي المكان والمكان هو ميمونة ومن هنا مهارة الكاتب في نحت هذه الشخصية في صاحبة المدينة
تنازع السيدة ميمونة والنقيب سيدي احمد على ضريح الولية الصالحة للا منانة المصباحية لم يكن صراعا حول عظام من دفن في الضريح او التراب الذي كان جسدها فحسب، ان الضريح تكثيف مكاني للذاكرة وهو شكل من أشكال التواصل مع الامس او القبض عليه، وإلغاؤه من هذه الزاوية هو إلغاء لبعض الذاكرة ولجزء من التاريخ، ومن يسيطر على الضريح يسيطر على الزمن الماضي اي يتحكم بالسرد الرسمي المتعلق بالضريح وهو ماكانت تتفوق فيه ميمونة. ومن يسيطر على ماكان بالاستتباع يسيطر على الآن و ما سيكون . وبالتالي فرغبة سيدي احمد في موت ميمونة، هو بالنسبة للنقيب استعادته للزمن ، والسرد ، فرغم سطوة سيدي احمد على الضريح وتسييره بمشيئته الا ان الزمن الخاص بالضريح ينفلت منه وتحتكره ميمونة : ” فهي ذاكرة المقام الواسعة ، الحافظة لنصف قرن من اخبار الشرفاء المتعاقبين على سدانة الضريح . ونبشها بغير ما تشتهي قد يكشف الغطاء عن جملة من خبايا الامور ويفضح جوانب عديدة من المستور ..ص 13″
حضور ميمونة في قصة صاحبة المدينة يعطي لسردياتها مدخلا هاما لفهم الفضاء الخاص بالحكي حيث ينشا الفضاء الحكائي من التحام السرد والوصف الذي تثبته حول المكان بالترداد والاستدعاء المتكرر لمحكياتها، فيشكل السرد اداة الحركة الزمنية والوصف اداة تشكل المكان..ص 18 . يقتسم سيدي احمد وميمونة زمن الوقائع وزمن القص اعتبارا مني ان زمن الوقائع هو الزمن الذي يحيط بالرواية يعطيها معناها في الزمن ويعطي للمكان بعده التاريخي، و زمن القص هو زمن الحاضر الروائي او الزمن الذي ينهض فيه السرد، ففي الوقت الذي تهيمن فيه سرديات ميمونة على زمن الوقائع الممتدة لقرون فانها تعيد صياغة الاصل التاريخي الملموس للراهن. في حين ان سيدي احمد يهيمن على زمن القص الراهن فهو في معمعة الحاضر بين تسيير الضريح والتصدي للمتربصين من العائلة او المتطرفين الحاقدين على الاولياء و اضرحتهم. فالاول يحدده حضور الزمن في التاريخ والثاني يقوم على معنى للزمن قائم في الان .
المادة الاولية المحكية كاحداث في “صاحبة المدينة” التي تبنى منها المادة السردية اي المضمون المحكي وموضوعاته يحشرنا هنا في شكلين للمادة السردية ، اذ نجدها تارة تتميز ببلورة موقعين متصارعين لراوئيين بطلين ، ميمونة، وسيدي احمد. هويته صدامية، الموقعين متصارعين تارة ومتوازيان تارة اخرى ، وهنا نجدهما يضيئان جوانب الحدث مداورة، صوتان متآلفان متكاملان صوت الاول هو إلحاح على صوت ثاني او تاكيد له او مصادر له، لكنهما في نفس الوقت يتظافران لتعزيز الاحساس بكثافة الحدث. وتارة تغيب بنية الموقعين ويزول معه بناء المحكية على البطلين السالفين ويتصدر السارد موقعا شاهدا وصوتا متحركا من موقع الى اخر دأبه ان يصف الحدث ويسوق الحوار حيث يبرز هذا الشكل واضحا حين يبدا السارد بقص احداث فاجعة حريق ضريح للا منانة . يحضر السارد في هذا الجزء من الرواية حاملا منظوره الخاص فهو يدين في تلابيب الحكاية عملية احراق الضريح ولا يبدي اي تعاطف او تفهم للموضوع، فزاوية نظره وهو المنظور الذي يسرد منه القصة ويصنعها حكما طبيعته كسارد، جاءت تدين الحدث بل ويجعل ادانته محل اجماع لدى المغاربة منذ الازل كما يقول، فيتدفق السرد محاولا القبض على الاحداث الكثيرة المتنوعة السريعة والمتناقضة منذ عملية الاحراق الى تدخل ميمونة الى حضور اهل حي ازطوط ورجال المطافئ والسلطات العمومية. ونلاحظ هنا ان الكاتب يصادر الحكي ويفيض على الحدث والشخصيات عبر سيطرته على السرد ويحول الاحداث العامة الى مشكلة تهمه اكثر ولا يترك الكلام لغيره. ولا بد ان اشير هنا الى ان حضور موقف الكاتب سيلازم المجموعة القصصية كلها فنجده، يعمق الابهام بالحقيقي ويقسم المجال لبقية العناصر الروائية ليصبح شاهدا، ففداحة الخسارة وعمق الماساة والصدع العميق بين ماكان وما يمكن ان يكون لمكان يخصه الكاتب انتماء، جعله احيانا يبدو صريحا صافيا بسيطا وشفافا، يتامل التاريخ، لا ينظرالى العمارة والشوارع كفن للمكان و لا بكمية الجمال المكدس فيها بل بحجم الالفة ، مما جعل المجموعة محكمة مفتوحة لادانة الحاضر لكن براعة الكاتب في الرفع بالمقومات الفنية والجمالية كالوصف والحوار وغيرها لتؤدي دورها جعله يتفوق على اي شكل من اشكال المباشرية الفجة.
تأتي الرؤيا رؤية ميمونة لصاحبة الضريح ” للا منانة ” لتعيد لزمن الوقائع سطوته ، على زمن القص فتنسج الرؤيا – رؤية ميمونة- احابيلها للاقتصاص من سيدي احمد في الحاضر فرؤياها كانت دعامة لحضورها بالضريح ضد تربصات سيدي احمد، كما انها جاءت، اي الرؤيا، بوصف يحمل الكثير من النبض و الحرارة والدلالة المباشرة وهذا ما يدفعنا للحديث عن تعاطي الكاتب مع هذا التفاوت الزمني للاحداث داخل المحكية ” صاحبة المدينة ” حيث نجد ان الزمن بالنسبة له اداة يستعملها للتوصيل والايحاء ويجعلها نافذة للمتلقي يطل منها على الرواية وعلى مشكلاتها وقضاياها، فرغم ان زمن الرواية انقسم بين زمن الوقائع وزمن القص الا ان الكاتب استطاع مزج الازمنة كلاهما مضيفا اليهما زمن الرؤيا حيث ابان عن دراية واسعة بصنعته ومراتب تعاطيه مع ازمنة الحكاية فنجده يخلخل الزمن ليرمم التاريخ، يخلخله فنيا اذ يكسره الكسر الفني لحركة الزمن . فجاءت شخوصه مصورة ككائنات متعددة الجوانب وصور لنا حياة متشابكة ممتدة في الزمن بأسلوب عميق وصادق .
يظهر الكاتب من خلال محكية صاحبة المدينة وكل المحكيات الاخرى المرافقة لعمله الادبي هذا شخصا يتملك ناصية تاريخ المدينة – العرائش، عارف بخباياها ببيوتها وشخصياتها ملما باحداثها التاريخية عارفا بدروبها وتفاصيلها متمكنا من العنصر الخرائطي الاجتماعي و التاريخي يعضد به مضامين حكاياه وينوع من توالي السياقات وتضارب مواقف الشخوص ويستثمر المخيال الجمعي وثقافاتها. فعرف كيف يوظف معارفه التاريخية وجعلها ملازمة لسرده الحكائي وللتداخل والاستمرارية المكانية والافق الزمني الموحد و الضائع حيث يضعنا امام حبل سردي لمحكياته قائمة بالقوة بالمعنى الارسطي ، حيث ان المواقف والأحداث قابلة لان تعاد صياغتها في نسق روائي كامل فالتبويب والتقطيع متقون واستغلال الحكايات للتأريخ واستغلال اجناس فرعية كالاسطورة الصراع الديني التقليد والحداثة عموما جعل انبناء سرديته متقاطعة مع التاريخ وكل المعارف التي يستند اليها. وقد ابان عن كعب عال في طريقة استدراج التاريخ ، اذ تبدأ حكاياته عن الاحداث محايدة ثم يلاحقها دوائرا وخلفيات جغرافية وتاريخية واجتماعية وسياسية يشهد عليه ويفعل فيها، ثم ينغمس فيها اخيرا. فعبر رصده للتغير الطبيعي للمكان نجد الكاتب يُحمل هذا الاخير امارات الزمن ويزرعها في نفوس المتلقين لتستجيب بدورها لاحساسه المهزوم بزمن يتجاوزه ، ويركز على الديمومة في قصته ” في خطى سيدنا علقمة ” وهي اخر حكايات مجموعة صاحبة المدينة ” ليحفظ لنا احساسنا بوحدة الزمن ، ردا جاء عنيفا على غربة المكان ، وليقول لنا ان المكان حين يدمر على نحو قاس ومهين يمس في العمق احساسنا الداخلي بمسار الزمن الطبيعي،،، سبب اضطرابنا وتفسخنا وتمزقنا، وعلى العموم فقد استطاع اليشيري ان يجعل العرائش المتناهية في الصغر تستطيع كما قال غاستون باشلار ” ان تكدس حجما انها شاسعة بطريقتها الخاصة “
