البعد النفسي و الاجتماعي للعنف اللفظي…حادثة القنيطرة كمثل

العرائش نيوز:

رضوان الأحمدي / منريسا

بعد المشادات التي حصلت في مدينة القنيطرة بين ذوي السوابق، الذين طالهم مؤخرا العفو الملكي، و السلطات الساهرة على توعية الساكنة بوجوب ملازمة المنازل، انتهت باعتداء على قائد المقاطعة التي حصل فيه الشجار. أنا لست مختصا في المسائل الأمنية و لا متبحر في الشؤون القانونية، أعرف عنها ما يعرفه كل متطلع على المواكبات التشريعية التي تهمنا في تدوير محيطنا الصغير بكل دراية و إنصاف، سأحاول أن أتطرق إلى البعد النفسي و الإجتماعي، إذا اقتضى الأمر للعنف و العنف اللفظي. أتمنى أن أكون موفقا و متعلما.

العنف اللفظي هو شكل من أشكال العنف الذي يهدف إلى تفتيت مقاومة الخصم المفتعل ذهنيا، يغذيه هوس المتسلط بألفاظه. العنف يعبر عن حالة توتر و الحاجة إلى إعادة التوازن النفسي إلى النقطة التي تسمح للمضطرب بالعيش و التعايش بدون هزات متتالية التي يمكنها أن تقصف بأمله في تحديث الرغبة في الامتلاك او التملك. العنف كما يحدده بعض المتخصصين، هو صراخ إغاثة منطوق، يلتمس منا ضمنيا أن نتكفل بفهم جذوره و مناكب تغلغله في توجيه التركيبة النفسية لمنتجه، حتى يرتاح من عذاب السؤال. العنف ينمو إذا غابت شروط الاحتواء، كغياب بيئة التعايش و اختلاف الأفكار، تدهور السياسات التعليمية القائمة على المواطنة، (أقول المواطنة citoyenneté و ليس القومية patriotisme )،  توحش الفضاء العام و نفي رموز الرقي و التضامن، انتفاء حكاية التماسك الاجتماعي، بزوغ الفردانية السلبية كمعيار للأشياء، تأصيل ثقافة الاتكال كعادة متفشية بين الأوساط المعدومة و هذا يترتب عنه إحباط و عنف، لأن الجل ينتظر الكثير تعويضا لمدة الانتظار الذي طالهم و هم يصارعون الفناء، من أجل حلم لم يتبلور بعد….

أمام الظواهر الاجتماعية كالتي ذكرناها سالفا في مستهل المقال، يجب أن نكثف اليقظة و أن لا نسقط في اتهام الطبقة الساحقة بالحثالة و الدونية هم ليسوا بحثالة، إنهم أولادنا. الضغط الذين يعيشونه أقوى بكثير ما كنا نعيشه عندما كنا يافعين، هم حتمية إهمال مقصود طال حقهم في التعليم و الحياة الكريمة، فجأة وجدوا أنفسهم بدون مرجع يتكؤون عليه، ولا قيم تحميهم من ضعف التواصل الأخلاقي الجاد، يصرخون و يقذفون بالسب و الذم، يضربون و يعتدون لننتبه إليهم و لنتحرى ما بالهم، فهم حائرون، ليست لهم خارطة طريق، يرتجلون السياقات و يفتعلون الحدث كاستحقاق ولكن بطريقة سلبية، يريدون إقناع الآخر. إن شخصيتهم غير مهتزة و تعبر عن اعتزاز و همي يوهم الإقناع، وهذه الظاهرة تعطى عندما تنحصر الحركية الاجتماعية، social mobility أو التسلق الاجتماعي، و هذا يؤثر فيما يخص ديناميكية المجتمع على المردودية القائمة على الأخذ و العطاء، فترى التجمعات المعنية تصرف النظر عن بؤرة التوتر التي هي نتيجة انحباس الأمل، فتراهم يفتعلون السيناريوهات كتعويض، لكي يهربوا من أنفسهم، تواطؤ مع قوى الابتذال، تأسيسا لثقافة القيل و القال، المزاعم و البهتان، لأنها لا تطلب مجهودا جبارا.

لقد تنبأ إلى المآل العالم الاجتماعي محمد جسوس عندما قال: إذا استمرت المنظومة التعليمية على هذا الحال، المغرب سينتج فيما بعد جيلا من الضباع. السلوك العدواني يتوارى وراء طغيان الأنانية الناتجة عن الفراغ، عوض التضامن الذي لا يتأتى إلا بوعي و الإحساس بالآخر و بخلق الأمل. ما نراه و نحصي تجلياته ما هو إلا نتيجة لذهنية تواكلية، و سيادة عقل خرافي، شرطين يضفيان خوارق لوقائع لا يضبطها الشخص المشنج باضطراباته، فيسود الخلل، و يختلط الواقع بالخيال في انتظار معجزة تغير مجرى حياته بجرة وهم متسلط على بؤرة الخيال .. استشراء العنف في كنف المجتمع المغربي أصبح مهيكلا، له تراتبيته و طقوسه و رموزه التي تتأصل عن طريق التغذية الرجعية، سلبيات حلت محل قيم التضافر لتستأسد بفضاء البناء الاجتماعي لتهدم البنية التربوية من الداخل، تزعزع الثقة في المستقبل و تهيم البعض أن ما ينتظر، مصيره الفشل، فلا داعي إلى الانتفاض، إنها وهميات يستوجب محاربتها بالكتاب والقلم.. أعزو هذا الخلل زيادة عن غياب العدالة الاجتماعية و انسداد الأفق كفكرة لطرحها للنقاش، إلى غياب ثقافة الدرب كوعاء لتقنين العنف و تصريف طاقة الشباب نحو أشياء إبداعية تعود عليهم بإيجابيات تفيدهم في معترك حياتهم لحل نزاعاتهم بشكل مرن و منفتح … الدرب كان يقوم بدور رائد في تقويم السلوكيات الهجينة و تسييجها عند حالة استنفار، شتت، عندما استشرى اليأس فأصبح الإنسان يتقوقع، فاقدا الأمل، وكله فشل و تراكم من العدوان. حالته النفسية تدهورت. و إلاكراهات التي تفرض عليه أن يتخذ مسافة من شعوره حتى لا ينهار عند سياق يطلب من الشخص أن يكون قويا و عدوانيا عند الحاجة فتختمر في داخله مشاعر متناقضة و متداخلة لا يجد لها تصريفا إلا عن طريق نوبات من الهيجان و الهذيان….


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.