ضمن أجواء الوباء: متابعة للأقلام المحلية…المقالة العمودية عند عبد اللطيف الصبيحي “حداثة التأليف و البناء ومشكلة وحدة النص”

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

فاجأنا عبد اللطيف الصبيحي ومعه جمهور القراء بمدينة العرائش بجمالية نصوصه التي جاءت تعالج مجموعة من المواضيع الاجتماعية والسياسية المستمدة من مجموعة من الأحداث الطارئة على المجتمع المغربي أو الدولي، تأتي تارة موغلة في السياسة و تارة تأتي متضمنة لآراء حول أحداث اجتماعية. فهو يحول الحدث إلى مقالة وتعاقب الأحداث إلى مقالات تستدعي بدورها الأحداث وتصرفها في آن معا.

وأنا بصدد تجميع مقالاته تساءلت عن نوعية الجنس الأدبي الذي يكتب فيه عبد اللطيف الصبيحي، وأين يمكن تصنيف كتاباته؟.  فكان أن بحثت عن مفهوم العمود والمقالة فلم أجد ما يشبع نهمي غير هذا التعريف الوارد في الانترنيت بموقع موسوعة الويكيبيديا والتي تقول: “تُعرّف المقالة بأنّها تركيبة إنشائية قصيرة، تدور حول موضوع معيّن أو أحد محاور هذا الموضوع، حيث تُكتب المقالة بأسلوب مُبسّط وسهل الفهم عند القارئ، وتُظهر المقالة قدرة الكاتب في إظهار ما لديه من إبداع ومن مبادئ فكريّة اتجاه موضوع معيّن”، ويضيف نفس الموقع تعريفا للعمود باعتباره:” – أي العمود الصحفي- يَغلب عليه الاهتمام بالشؤون العامة، فيتعرض لمختلف القضايا، ولكن من الزاوية التي تهم القراء وتمس مشاعرهم كما انه يجب أن يجمع هذه الأركان تسلسل موضوعي يرتقي من المقدمة وصولاً بذروة الموضوع وختاماً برؤية الكاتب، وقد تكون الخاتمة كنصيحة وقد تكون كتعجب يفتح آفاقاً للقارئ لإيجاد حلول مستقبلية”.

هنا وجدتني أعيد صياغة سؤالي من جديد: هل ما يكتبه عبد اللطيف الصبيحي يدخل في صنف المقالة؟ أو العمود؟

يحدد التعريف السالف الذكر المقالة بالحجم من خلال الإنشاء القصير، وبالأسلوب المبسط وسهل الفهم. أما القدرة على استقطاب المتلقي تكون بكعب الكاتب وتكوينه، تشترك المواصفات السالفة الذكر مع كتابات عبد اللطيف الصبيحي، كما أن مقالاته تسيح إلى مجالات متعددة الاتجاهات والاهتمامات. إلا أن عبد اللطيف لا يولي أهمية لقدرته الإبداعية، ويختلف عنها في التوصيف المتعلق بالقدرة الإنشائية، فمقالاته كُلّها لا يمكنك الحكم عليها إلا عندما يضع صاحبها نقطة النهاية. وواقع الأمر أن كتاباته تطبعها المباشرية، إلا أن مباشريته هي جزء من اشتباكه العضوي الثقافي الذاتي في مساءلة الإشكالات السياسية والاجتماعية المطروحة، فيطلق قولا صريحا متخففا من الأقنعة، متقنا إيراد التفاصيل الداعمة بطريقته الخاصة والتي سنعالجها بعد قليل، فهو هنا يختلف في نوعية كتابته عن الكتابة الفكرية التي تزهد بالتفاصيل اليومية.

وإذا كان عبد اللطيف الصبيحي يكتب بأسلوب مبسط وسهل الفهم للقارئ كما هو وارد بالتعريف أعلاه، إلا انه لا يصغر من قيمة الصياغة ويعلي من شان الأفكار،لا، فهو ينصب اللغة مرجعا لما هو خارجها وسلاسة لغته مستمدة من طبيعة الموضوع المعاد طرحه بكثافة سواء في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر القنوات التلفزية، ومع ذلك يمكن القول أن نصوص عبد اللطيف الصبيحي، بشهادة جميع من ناقشتهم في الموضوع، هي  نصوص  متسقة العلاقات، قوية بلغتها المتناسبة مع موضوعها. تستدعي المقارنة الفاكهة أحيانا لكن اللاذعة في سخريتها من واقعنا، كما في مقاله “السترات الصفراء بين الهنا و الهناك” أو في مقاله “الحقل السياسي المغربي والحاجة للخوارق”. فصياغته الأسلوبية تقوم بحسب المقام، فتأتي لغة مغرية مسلية تدفعك دفعا لاستكمال المقالة، فالمعروف في عالم المقالات التي تؤثت صحفنا الوطنية  هو بؤسها الذي غالبا ما يكون سليل  فقر اللغة، وفقر اللغة سليل عقلية ضيقة تحجب ضيقها بركام لغوي عقيم ولغة زائفة الثراء وصادقة الفقر.

ولكي أوضح أكثر سوف أعيد صياغة معنى المقال في عرف عبد اللطيف الصبيحي، فيمكننا القول أن مقالاته هي محاولة استقصاء واقعة إنسانية قيد التشكل إلى استجلاء أسبابها وآثارها في الزمن، فيتعامل مع حدث مستولد وظاهرة قيد الانبثاق عبر متابعة مقالية مفارقة يرصدها كواقعة متنامية، تأتي مقالة “رقصني يا جدع” لتحيل إلى موضوع قديم جديد، وهو دور الراقصات وعامل البغاء في السياسة يبعدك عنوانه عن القراءة، لكن حينما تشتبك بالنص فانك تجد رؤية مستحدثة ومعالجة ناقدة لموضوعة الانفتاح الوهابي السعودي في الزمن الراهن، فهذه الكتابة إذ تستدعي ظاهرة مستهلكة فإنها تكرس نسيانا فعالا لماضيها، فزمانها ليس هو الزمان الصاعد الراهن الذي يركب لحظاته ويضمها في مفهوم موحد، وإنما هو زمان العود المتكرر، وعلى هذا النحو لا يعود الانفصال والتعدد والاستدعاء لموضوع مستهلك يجد جدته عنده على شهرة الموضوع وحثه القارئ للتطفل، لا بل بسبب الشكل البلوري المتعدد الحضور والمتوتر “المجال السعودي التقليدي” المتواتر في أشكال استدعائه وحضوره، لكن بالإضافة إلى ذلك يعيد صياغته بشكل متفجر بفكاهته النقدية الفارقة.  فمثال مقاله “العودة لشبح ولد زروال” قد يجعلك تختلف معه، لكن استدلالاته المبنية على فهم للسياسة وتشكلها في الحيز المغربي يجعلك تقيم اعتبارا لنصوصه، وقد بينا سابقا أن الموضوعية ليست من مطالب عبد اللطيف الصبيحي، فتجد المقال يستبطن الموقف والانحياز الذي نتحسسه عبر نسيجه اللغوي، لنخلص في الختام إلى أن كل مقالاته الأخرى لا تتطلع إلى حقيقة موضوعية بل حججها وعللها  منتقاة مسبقا وبخلفية متوثبة تبدو أحيانا موغلة في الظهور ومنحازة بشكل واضح. لكن ذلك لا ينقص من قيمتها بل يمكنني القول أن جماليتها في انحيازها وجاءت عكس مقالاتنا التي نقرأها يوميا، أكثريتها كتبت بكلمات مطمئنة متقاطعة تتوهم الإبداع والموضوعية وهي في صلبها منحازة إلى الخواء.  ففي مقاله “قلة الترابي من زاوية أخرى”، ورغم السطح المتجرد الموضوعي للمقالة إلا أنها بذكاء صاحبها، تصادر على المطلوب، إذ  تصل إلى  الخلاصة من خلال تشتت المقال بين نقد الإسلاميين ومن خلال النقد المزدوج للحقل السياسي المغربي، لا تفرض المقالة الإقناع كمعطى أولي تنطلق منه فهي تستدعي الماضي و الحاضر والتاريخ السياسي المعاصر للمغرب، وتصدر عنه وتنظر إليه على أنه نتيجة ينبغي أن يتوصل إليها القارئ، وغاية يجب أن ينتهي إليها، فلا يتحول التاريخ إلى داعم للخلاصة النقدية الشرسة للإسلاميين التي بالمقال، ولكن التاريخ يصبح ما كان وسيكون، التاريخ جوهر يعيد نفسه وهو يفعل ذلك لأن الجوهر السلبي ملتصق بالإسلاميين أبديا، ويعاد دوريا في إحداث التاريخ، فخبث الإسلاميين يجب افتراضه والتسليم به ، لا ينبغي  بناؤه و إقامته  فهو هنا قائم حدسيا وليس استدلاليا، إن المواربة الكتابية لدى عبد اللطيف الصبيحي تجعلك بعد أن تنهي المقال تجد نفسك قد اجتررت أفكارا كاملة بطريقة سلسة وبطمأنينة خبيثة وهي ميزة لا تتوفر في العديد من كتاب المقالة.

وهذا ما يجرنا للحديث عن الوجه الآخر لهذه الكتابات وهي مفهوم العمود الصحفي، ولا بد أن أشير هنا إلى أن مقال “قلة الترابي من زاوية أخرى” لا يستبطن مفهوم المقالة، بل هو كذلك يمكن حشره ضمن التعريف الخاص بالعمود الصحفي، ويبدو هذا جيدا أيضا في مقاله الرائع “إيران بين ترامب وظهور المهدي المنتظر”.

فالمقالة كما حللناها عند عبد اللطيف الصبيحي تلتقي هنا مع مفهوم العمود الصحفي كما بيناه أعلاه، فلا يختلف هذا التعريف للعمود عما يقوم به عبد اللطيف ماعدا انه لا يقيد خاتماته لموضوع مقاله كنصيحة أو تعجب. ولا يفتح آفاقاً للقارئ لإيجاد حلول مستقبلية. ولا ينصح أو يعظ أو ينبئ بما سيأتي انه يحشرك في أجواء المعمعة و بحر من التشكيك وإعادة خلط الأحداث بتراتبية جديدة تتمثل في فقدان عنصر الوحدة والاتصال و سيادة التفكك و التعدد، فلا يعيد تشكيل الأحداث من خلال بناء متراص الأجزاء مرتبط العناصر، وإنما غدا ضما وجمعا، إن لم نقل تجميعا بين فواصل وفصول واستدراكات لا تربطها في الظاهر على الأقل أية رابطة اللهم رابطة العنوان الذي يبدو هو كذلك مجرد دليل لا يدل على شيء بعينه، ولا يرد إلى وحدة بأتمها، لذا سميت كتاباته المقالة العمودية ولا تبدو التسمية ترفا لغويا بل سندلل على ما ذهبنا إليه.

فتيمة المقالة العمودية المعنونة بـ: “إيران بين ترامب وظهور المهدي المنتظر” تغدو في الأخير وبعد معاودة العديد من الأحداث و التفاصيل عنوان سياسة مرحلة بكاملها وليست فقط إجراء معالجة حدث اغتيال قاسم سليماني، وهي نفس الطريقة التي عالج بها في مقاله العمودي:”من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه”، فمن عمر بن الخطاب إلى ترامب إلى رئيس جماعة حضرية مغمورة بالمغرب لن تجد نص المقال مخاطا بنسيج عنكبوتي موحد البناء، وإنما هو نص مفكك أقرب إلى الشذرات والفتات منه إلى وحدة  البناء، ظاهرة عامة تميزه وتعطيه خصوصية تتمثل في فقدان عنصر الوحدة والاتصال وسيادة التفكك و التعدد. لا يفترض الوحدة كمعطى أول ينطلق منه ويصدر عنه، وإنما ينظر إليه على أنه نتيجة. فكما سبق وقلنا، حتى أحداث التاريخ لا تأتي للاستدلال بل هي جوهرية تعيد إنتاج نفسها طبيعيا و ليس عليا.

فرغم قلة النصوص التي يكتبها لنا عبد اللطيف الصبيحي، إلا انه اختار مجالا نفتقره في الساحة الثقافية بالعرائش. فقد حاول الحداثة في المقالة العمودية بشحنها بنقد اجتماعي سياسي صريح، نعم هو يضع في اللغة السردية لأن شئنا مؤقتا تسميته بالمقالة العمودية هموما وطنية وإنسانية بلغة منسابة في المرجع والموضوع و الدلالة، ولكن لا تنفتح على المستقبل أو على فتنة العظة والعبرة التي تطبع الكتابة الوثوقية وتخرجها في الآن من العمود.

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.