القهوة دلكوردو، القهوة د السي احمد، القهوة د كواترو كامينو، سمها ما شئت..
يحمل هذا المكان ذكريات أجيال و أجيال، كان بالنسبة إلي مكاني المركزي و الأساسي حيث ألقى أصدقائي و زبائني، فيه وقعت أول اشتراك للهاتف النقال، وفيه وقعت أولى صفقاتي التجارية بالصالون العلوي (VIP)، كنت في حقيقة الأمر منتميا إلى المكان و أحد عناصره الدائمين رفقة المالكين و العاملين في مقدمتهم صديقاي و أخواي اللذان لم تلدهما أمي، المرحوم عدنان العلوي و صنوه سي محمد الذي أمضيت برفقته أزهى أيام شبابي، المطعم يعمل دون انقطاع على مدار اليوم و الأسبوع و السنة، يتوقف عن العمل يوما واحدا فقط طيلة العام (عيد الأضحى)، كان طوال عقود طويلة سبب الحياة في ليالي العرائش، حيث كانت الحافلات تقف بالطابور على ناصيته التي تحولت تطبيقيا إلى محطة طرقية ليلية محققة رواجا دائما للمطعم الذي لا ينقطع دخان شوايته أبدا، الرواج الذي انعكس إيجابا على المحلات المجاورة، بسببه أصبح كواترو كامينو أو الطرق الأربعة مكانا حيا و مقصدا لكل الساهرين من عشاق الليل و سمره، لكن هذا المعطى سيتغير تدريجيا بعد أن قلت نسبة المرور و تغير مسار المسافرين من الطريق الوطنية رقم 2 إلى الطريق السيار، الشيء الذي أصاب الرواج في مقتل شأنه شأن نقط أخرى كانت منتعشة و مزدهرة كسوق الأربعاء الغرب و سيدي علال التازي.. و ما زاد الطين بلة هو اقتصار الطريق السيار على مدخل وحيد جنوب العرائش مما أجهز على المطعم و منطقته النشطة خصوصا، و على سائر المدينة المعزولة بشكل عام.
أذكر جيدا أفواج التلاميذ و الطلبة المارين عبر ناصيته تجمعهم نظرة مشتركة لشواية الدجاج المحمر بباب المطعم، تلك الشواية التي ظلت تدور على محورها دون توقف إلى أن أقفل المطعم نهائيا، كل رواد (التيجيريا) على الخصوص وباقي المؤسسات التعليمية المجاورة (عقبة بن نافع) يذكرونها جيدا، كما يذكرون تماما زاوية (هيلادو) مبردات لذيذة بثمن بسيط تعمل لأزيد من 6 أشهر خلال العام الواحد..
لم يكن المكان في حقيقة الأمر فاخرا ولا مثيرا للإعجاب، لكن موقعه كان استراتيجيا إذ كنت أصنفه كبرج أول للمراقبة الدقيقة بالعرائش، أما البرج الثاني فحيث يوجد اليوم مقهى شوب، هذين الموقعين كفيلين بإسقاط أي عرائشي تود العثور عليه دون الحاجة لوسائل الاتصال التي جاءت لتحل هذا الإشكال للأبد.
تعتبر البناية واحدة من واجهات التراث الثقافي المادي الممثلة للعمران الكولونيالي في النصف الأول من القرن العشرين، تضررت كثيرا من جراء إقفالها لمدة ناهزت العشر سنوات، لكنها تعرف اليوم ونحن نودع سنة 2018 اللمسات الأخيرة من عملية إصلاحها وترميمها وتأهيلها وإعادة إدماجها مجددا من قبل المستغلين الجدد. والحقيقة أني أنتظر بشوق يوم افتتاحها لأرتشف هناك قهوة أخرى في ذات المكان، لأسترجع الأشرطة كلها بحلوها ومرها، بجموحها وغبائها، بحظوتها وخيبتها، بكل ما في الخيال من فضاءات، حتى وإن تغير السقف ورائحة الجدران، وطعم “كاريون” وأهل المكان.



