العرائش نيوز
بقلم عزيز قنجاع
وانت تقرا عطر الندى للكاتبة ندى البكوري تجتاحك القصص تباعا، لا تترك لك الواحدة ان تفكر في مغزاها وتتمتع بسلاسة تعبيرها وانسيال وانسياب لغتها حتى تدفعك دفعا للاستزادة من شجى الحكي الى اقصوصة اخرى تليها
تتساءل وانت تتابع الخطى طلبا لإنهاء المجموعة القصصية كالتزام يفرضه واقع القراءة كعملية حوصلية تساءل العمل التام المكتمل، وخوفا في نفس الوقت من الانتهاء منها مشدودا الى عوالم الكاتبة وجمالية التعبير وأنانية مفعمة بالثقة تمارسها عليك الأضمومة وأنت تطالعها، إذ لا تلتفت القاصة ندى إلى أسئلتك التي تباغتك وأنت تتطلع إلى النهايات. فالكاتبة تسترسل في عوالمها هي غير محكومة بقارئ مفترض بل فقط في الإنشباكات التي تقيمها الشخصيات فيما بينها حيث تضع القارئ على رف الانتظار بقصدية وبإرادة وإمعان مغيظ. تتسائل بعد كل هذا الإصرار وأنت في قاعة انتظار المعنى والمغزى وكل ما تربينا على أن نتوسله من عملية القراءة ما الغاية ، الرسالة او قل المضمون الذي توده ندى وجهة لنظرها للعالم والى العالم .
لا تعطي ندى للخلفية الرسولية التي يحاول اي كاتب ان يعلنها لقارئه حتى يعطي قيمة لكتابته اي اهمية فهي لا تبحث ان تقنعك انها صاحبة رسالة. هي فقط وبكل تواضع كاتبة تروي لنا من واقع الحال وواقع الخيال قصص، والاكثر من ذلك ندى لا تطلب من احد ان ياتي لقراءتها استجداء للنصيحة او للاقتداء او طلبا للعبرة والعبر او لطلب فهم مغاير لواقع تفضحه اوانها تنبئ عن امور تدخل في باب الاستشراف. انها فقط كاتبة تمتلك زاد اللغة والتعبير وخيالا جامحا لا يرتكن لنفسه ولا يقف عند عتبة الممكن المطعم للخيالي بل هي تستولي على عالم الميتفيزيقا والعالم الاخروي لتروي عن الغائبين ما يتطلعون لقوله كما هو الحال في قصة “سلام على من يتنفس” وقصة “لحظات اخيرة” وكذا ” فقيد قلبي” ندى تعلن انها كاتبة بسيطة متواضعة وضعت قلمها لنثر عطرها لينفح اليائس والأبي وللعطور المتلصَّص بها او عليها ، وكِتابتها تبقى مواساة لكل من تم نسيانه ولم يجد لمن يلوح. هكذا هي متواضعة وهكذا حاولت ان تقدم مجموعتها من خلال المقدمة التي دبجب بها مجموعتها هذه .
بعض هذه القصص تاتي بسيطة ، في الواقع، قد تكون من البساطة بمكان لدرجة انك غالبًا وانت تقرا منجدبا لجمال اللغة و التعبير والاحالات المتتالية تجد نفسك رهين شرك اوقعتك فيه صاحبة الاضمومة ندى البكوري وهو شرك المضمون ، من يبحث عن المضمون من اول اقصوصة سيجد نفسه حائرا ، لكن من يستسلم لجمال الكتابة تشده كل قصة الى رقاب قصة اخرى سيتمكن من تكوين وجهة نظر لا على مضامين القصص بل على الخلفية الذهنية او سميها الفكرية او إن شئت الفلسفية للكاتبة الواعدة ندى البكوري،
القصص في حكايا عطر الندى مروية من على حافة الحياة، خمس اقصوصات يتحدث ابطالها من عالم الموتى، هم موتى احياء ، هم شخصيات تتحدث بأحاسيس ونوستالجيا تواسي الأحياء تارة وتعاتبهم ، تبدو الحياة من عالم الموتى ليست ندما على فقدان الحياة او حنينا لها ولا عتابا للأحياء لانغماسهم في الحياة ونسيانهم أخرويتهم، ففي هذه الحالات تأتي القصص تعبوية روحية اخلاقية ضيقة. لا هذا الاهتمام لا يدخل ضمن مطالب ندى الأدبية، فالكاتبة لم تنح هذا المنحى التبسيطي في التعاطي الاعتباري العبري القيمي ، لم يأت الموتى للحديث مع الأحياء وعن الأحياء لتنبيههم الى ما ينتظرهم في عالم الغيب ، لا بل القصص الناطقة من عالم الموتى تعاتب الاحياء على عدم الانتباه للتفصيلي الصغير الذي لاقيمة له لدى الاحياء، سواء كتاب في رف مكتبة او جلسة طفلة في حضن ابيها بكاء صغير منتحب غير مستمر، فرحة باسترجاع اسم الميتة “شامة” على طاولة التغسيل الجنائزي بين الحياة والموت، الاشارة الى تفصيلات صغيرة من صلب الحياة نهمل أهميتها ، ننتظر من الموتى الموعظة فنضيع في تفصيلات تصير كما البرك الصغيرة التي ننشئها لاصطياد الطيور العطشى، ندى تحفزنا على التفكير بشكل مستمر على قلب التقديرات المعتادة والعادات المقدرة ، ان تقمص الموتى والحديث باسمهم يسافر بنا الى العالم الموسوعي الذي تتحدث من خلاله ندى ، ويحيل الى الخلفية المعرفية الواسعة والفلسفية التي تحكم رؤية ندى للقول الحكائي، فالحديث من عالم الغيب تقليد فلسفي وان كان قليلا بل نادرا الا انه اصيل في الكتابة المعرفية فبالاضافة الى اقدم نص في هذا الباب منسوب لمؤسس المدرسة الحورانية في التصوف ماني والذي اندرجت الكتابة الصوفية المتمعجة بالكتابة بالحلم الرؤيوي الى اعظم ابداع اخروي سجله التاريخ مع الموسوعي الاديب الفيلسوف ابي العلاء المعري في رسالة الغفران الى موسوعة العصر الحديث دانتي الاليغييري في الكوميديا الالاهية، ان توسل هؤلاء للعالم الاخروي للحديث الى الاحياء لم يكن بدوافع استقطاب روحي بل بالعكس فقد وقف هذا الخطاب الاخروي بالانسانية على مشارف تجديد الرؤية للحياة في ذاتها فجاءت كتاباتهم ملفتة متحررة وما كان ذلك ليسمح لندى بهذا الانتقال في مدارج الوجود لولا الخلفية المعرفية الغزيرة التي تكتب منها فمن يوسف زيدان الى احلام مستغانمي الى توماس ترانسرومرو هشام الجخ وباولو كويلهو وجاك بريفر وابو الفضل العباس بن الفضل و المتنبي و القائمة طويلة جدا احصينا ما يناهز 21 مرجعا تمت الاشارة اليها عرضا في سياق الحديث العابر في مواضيع مختلفة من الاضمومة، حيث لم يكن هم ندى اثبات سعة قراءتها ومعارفها بل جاءت الاحالات عرضية مبررة بدواعي حوارية محضة. تحب ندى ان تستولي على لسان ابطالها في عتمة الحضور فتبدو حكاية الضرير الذي لا يبصر النور شيقة جدا، تتقمص ندى الشخصية وهواجسها تخلص الى حالة غربة الروح والجسد التي تتنازع البصير لكنها حين تتقمصه فانها بلغة الصوفية تفنى فيه اذ تقول دواخله بنقض راي العامة المتفق عليه في تطبيع الاحساس مع الاعاقة والوصاية عليها كما فعل استاذ الموسيقى الذي اختار له الالة التي يعزفها ضدا على رغبته هو، وكأن انطباعنا عن البصير هو الحقيقي بما اننا ننظر ونرى فنحن احق بالحديث عنه والاختيارله، فتغرقنا ندى في عوالم جديدة من خلال حوارات لم نألفها عن الضرير. إنها تنشئ خطابا مغايرا ضديا للهشاشة، كتابة ندى في مواضيعها البسيطة ثورية في عمقها. فمن عالم الموتى والعالم الاغشى والظلام الى عالم الاحياء الموتى، تبتدأ ندى مجموعتها عطر الندى بالحديث عن الخيانة، لنلتقي دائما بشخوص خلال مسار الاضمومة هشة لا هي بطلة ولا تطمح لبطولة ، هي شخوص على حافة الحياة تقاتل لتبقى لكنها في هشاشتها وفي وضعها على حافة الحياة تعاني صعوبة الكينونة و البقاء، ففي اول اقصوصة تعرض لنا ندى عالم الخيانة، تخون امرأة غيثة زوجها حسن، يتم اعتقالها يبقى الاب مع طفل رضيع يرضعه، الطفل لا يرضى ان يرضع الحليب من يد ابيه الا اذا لبس ثوب امه ، بين غريزة الطفل الرضيع والحكم القيمي المجتمعي على الخيانة تنتصر ندى للغريزة انها تغرينا وتشجعنا على ان ندافع لمرة واحدة عن اسوا الاشياء. لا تطلب منا ان نبرر الخيانة فهي تدينها بشكل واضح بل حين تضع الخيانة بتواز مع الغريزة الفطرية للرضيع الذي لا يرى في المراة المدانة الا انها امه وفقط ، فان ندى تثير فينا الرعب ونخرج من اعمالها بنوع من الريبة بخصوص الاخلاق ان كل التراكم القيمي للانسانية بخصوص موضوع القيم وكل التراكم الفلسفي المؤسس لا يساوي شيئا امام الحياة في اصلها، ان استمرار الحياة في اصلها استمرار لممارسات خاطئة انطلقت منذ اللحظة الاولى التي ارتكبت فيها.
لكن وفي اقصوصة اخرى تسرد لنا ندى وجها اخر للغريزة في اقصى صوره حدة فمن على مراتب التضاد الحاصل بين الرغبة الشهوة الشهرة والغريزة تستهلك الشخصيات الهشة في القصص المعروضة في قطر الندى الحياة وتعيد للسيرة الاولى وهجها وللطبيعة البشرية حضورها الطاغي، ففي اقصوصة انا حزين وانتم اوغاد تنتصب الغريزة لتستحود على الفعل ضد المجد والشهرة وضد كل ما يخرج عن الطبع الاول طبع الامومة. في لمحة بصر تنتقل البطلة من عارضة ازياء في اعلى مراتب مسارها و الطرق الموصلة الى المجد لتتخلى عن كل هذا في حادثة فقد مباغث لابنها ، تلغى كل العقود وتعود العارضة في عملية مبهمة من الشرح الى وضع الام ، هكذا تنتصر ندى للغريزة بشكل مطلق و تنحاز للاصل
ان الممارسات الخاطئة اخرجت الانسان من الجنة لكنها ادخلته عالم التاريخ الواقعي عالم مستمر بسبب حبل الصرة السري الذي اصله اقوى من انتاج قيمي على هامش القوة الصلبة للحياة. اصله الغريزة تلك الفطرة البيضاء الاولى. ان الشخصيات لدى ندى كما قلت هشة تصل الهشاشة مداها في تيمات المراة.
تعالج الكاتبة المراة من حافتها على شبق الحياة ، من انعكاس الاحساس في خضم العلاقة المتوثرة مع الحبيب مع الشريك مع رجل متخيل لا تعرض لنا في القصص المسرودة قصص حقيقية بل احاسيس مفترضة تصفها بلسان متكلمة مضاعفة فتنعكس فيه احاسيسه في الوقت الذي تغيب هي تقول ندى الرجل يغضب يندفع يلين يبكي يختفي يعود بعد كل هذا لا يجد المراة ، المراة تنسحب. يصعب جدا وصف دقيقا هذا الاحساس لكن سامثله بعالم الفن التشكيلي .
ان ندى لتصل الى افضل وسيلة لتصوير شيء كاحساس المراة غني بالدلالات المتشابكة المتعاطفة خصوصا في قصتها عطر الندى او قصة سيكزوفرينيا وقصتها الزنزانة رقم 11 او قصة ديوان الشوق ، فانها تعمل كما الفنان تستخرج من الشيء نفسه الالوان التي ستصبغه بها، وحينها تحتفظ اللوحة للمراة موضوع قصتها بشيء من العنصر الطبيعي الفتان الذي يعطي للشيء دلالته وذاته في نفس الوقت. تصف حالة الهشاشة القصوى بمثال أخاد إذ تقول في جملة تلخص قمة الرخاوة اننا ” كأطفال الشوارع نقف خلف زجاج محل فاخر راوا بدلتهم المفضلة فاحترموا حالهم وانصرفوا” الإنسان الهش في عطر الندى صامت فاطفال الشوارع هنا لا نعرف هل حزنوا هل فرحوا لرؤية البدلة هل لعنوا الدنيا والفقر ام حمدوا الله على نعمة الفقر وروح القناعة فيهم هم وقفوا راوا بدلتهم وانصرفوا ما يخلق الاشكال في الجملة هو كلمة المفضلة لتتركنا منشبكين تعاطفيا مع الموضوع دون ان نتخلص منه ، ان عبقرية الكاتبة في كل الاضمومة انها تبدا باتقان الاجزاء قبل المجازفة بالقيام باعمال بمثابة مشاريع كبرى تبدو ندى متانية في كتابتها لانها تجد متعة في اتقان صنع الجزء المتمم اكثر مما تجده في الاثر الذي يحدثه كلٌّ براق من السهل ان نصف لإنسان كيف يصير كاتب لكن تنفيذ دلك يتطلب مهارات وعطر الندى درس في المهارة.
