العرائش نيوز:
سهل اللوكوس، الذي طالما اعتبر سلة الخضار والفواكه الحمراء للمملكة، لم يعد يشبه نفسه. فبعد الفيضانات العارمة التي ضربت المنطقة مؤخرا، تحولت آلاف الهكتارات من الأراضي الخصبة إلى بحيرات راكدة، ابتلعت الماء محاصيل كانت في أوج نضجها، وأغرقت آلاف رؤوس الماشية، وعزلت قرى بأكملها عن العالم الخارجي.
بين عشية وضحاها، وجد الفلاحون أنفسهم في مواجهة مشهد يشبه نهاية العالم. المسالك الفلاحية التي كانت تؤمن وصولهم إلى ضيعاتهم اختفت تحت الطين، والمضخات وبيوت البلاستيك تحطمت بفعل قوة الرياح العاتية التي تجاوزت سرعتها 110 كيلومترات في الساعة. لكن الخسائر المادية، رغم فداحتها، تبقى أقل قسوة من الصدمة النفسية التي يعيشها هؤلاء الرجال الذين راهنوا على موسم زراعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد سنوات الجفاف القاسية.
“المياه أخذت كل شيء”
في أحد الدواوير المعزولة، يصف محمد، وهو فلاح في الأربعينيات من عمره، حجم الكارثة بعينين ذابلتين: “المياه دخلت الحقول فجأة، وكنا عاجزين عن فعل أي شيء. أخذت معها البرسيم والبطاطس والأبقار. كنا نسمع صراخ الجيران ونحن لا نستطيع الوصول إليهم.” هذه الشهادة المؤلمة تعكس واقع المئات من العائلات التي باتت تعيش على تخوم الجوع، بعد أن تحول حلم الحصاد إلى كابوس من وحل وفقدان.
سهل اللوكوس، الذي يزود الأسواق الأوروبية بما لا يقل عن 75% من إنتاج المغرب من التوت الأزرق والتوت الأحمر، دخل في حالة سبات قسري. المهنيون في القطاع يتحدثون عن خسائر تتراوح بين 5 و20% من الإنتاج، مع تسجيل انهيار شبه كامل في محصول التوت الأحمر الذي يعتبر الأكثر حساسية والأعلى قيمة مضافة.
ماشية تبحث عن الكلأ في أرض محروقة بالماء
في مشهد متناقض، كانت الماشية التي تمكنت من النجاة تبحث يائسة عن أي بقعة عشب فوق أراض لا تزال غارقة. أعلاف الموسم المقبل دفنت تحت الطين، مما يعني أن أزمة الغذاء التي يعاني منها القطيع حاليا ليست سوى البداية. الفلاحون الذين كانوا يعتمدون على تربية المواشي كمصدر دخل إضافي أو كمدخر للحالات الطارئة، وجدوا أنفسهم أمام خيارين: إما تحمل تكاليف علف مرتفعة الثمن، أو التخلص من حيواناتهم بأسعار بخسة قبل أن تنفق جوعا.
هذه الكارثة المحلية ليست حدثا معزولا، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الظواهر المناخية المتطرفة التي اجتاحت القارة الإفريقية. تقارير أممية تشير إلى أن فيضانات غرب ووسط إفريقيا أثرت على حوالي 6.9 ملايين شخص خلال عام 2024 وحده، مما هدد الأمن الغذائي لمنطقة بأكملها.
من جفاف إلى طوفان: تقلبات المناخ تقتل الحلم الفلاحي
المفارقة التي يعيشها فلاحو اللوكوس هي أنهم كانوا قبل أشهر قليلة يعانون من أسوأ موجة جفاف في تاريخ البلاد، حيث تجاوزت درجات الحرارة 50 درجة في بعض المناطق. كانوا يلهثون وراء أي قطرة ماء لري محاصيلهم، واليوم أصبحوا يغرقون فيها. هذا التطرف المناخي يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث لم يعد الفلاح قادرا على توقع فصول السنة أو التخطيط لمستقبله.
الباحثون يحذرون من أن ما كان يحدث في السابق كدورة فيضانية كل عقد، أصبح الآن دورة سنوية. كلير بارنز، باحثة في السياسة البيئية، تؤكد أن “هذا لن يستمر في التفاقم فقط إذا واصلنا حرق الوقود الأحفوري، بل إنه يزداد سوءا سنة بعد سنة”.
الغد المجهول: بين نداءات الإغاثة وإعادة الإعمار
وسط هذه الأنقاض، تتعالى أصوات الفلاحين للمطالبة بتدخل عاجل من السلطات. المطالب تتراوح بين ضخ تعويضات عاجلة لإنقاذ ما تبقى من الموسم، وتوفير أعلاف للماشية، وإعادة تأهيل البنية التحتية للمنطقة التي انهارت تماما. لكن السؤال الأكبر يبقى معلقا: كيف يمكن إعادة بناء قطاع فلاحي كامل في منطقة باتت مهددة بالفيضانات سنويا؟
التقارير المناخية لا تترك مجالا للتفاؤل. إذ تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2030، سيكون ما يصل إلى 118 مليون أفريقي يعيشون في فقر مدقع معرضين للجفاف والفيضانات والحرائق الشديدة. سهل اللوكوس اليوم هو مجرد نموذج مصغر لمستقبل قاتم يهدد الأمن الغذائي للمنطقة بأكملها، ما لم تتغير السياسات الفلاحية والمناخية بشكل جذري.
بينما تغرب الشمس على الحقول الغارقة، يقف أحد الفلاحين المسنين على حافة طريق مقطوع، ينظر إلى مياه راكدة كانت قبل أسابيع حقلا يانعا. لا يعرف إن كان سيزرع العام المقبل، ولا يعرف كيف سيطعم أسرته هذا الأسبوع. في عينيه، تكمن قصة الملايين في عصر المناخ المتطرف: لا ماض يمكن العودة إليه، ولا مستقبل يمكن الوثوق به.
