حــــتّـــــى لا تــحـــــدُث أخـــطـــــــاء…

العرائش نيوز:

 

حــــتّـــــى لا تــحـــــدُث أخـــطـــــــاء…

 

عبد النّبي التليدي

 

أعجبني تدخل السيد وزير الداخلية في إطار إجابته على أسئلة أعضاء مجلس النواب يوم 04/2/2014 عندما “تحدث  عن الوقت الكافي الذي يأمر به للقواد لأخذه حتى لا تحدث أخطاء بسبب إصدار الشهادات الإدارية لتحفيظ الأراضي لأنها تؤكد عدم وجود إشكال لتحفيظها”. كما راقني مخاطبته لأعضاء مجلس النواب بكلامه” إذا كانت لديكم ملفات عن رجال السلطة فلتتّوجهوا بها إلى وكيل الملك أو قدموا أدلة عن الخروقات، ويد الداخلية طُولى عليهم” ثم اعترف بأن (هناك نسبة ليست في المستوى مما يجعلنا نتخذ التدابير اللازمة) ودعا إلى تغليب الثقة على الشك.     

وعندما يتحدث وزير من عيار محمد حصاد ذي الباع الطويل في ميدان التسيير بالإدارة الترابية التي تحمّل فيها مسؤوليات مختلفة عن “الحرص على عدم وجود أخطاء” فهو يعني ما يقول بناء على تجاربه هنا وهناك وملاحظاته ومعايناته أو من خلال ما وصل من تقارير في هذا الشأن من هذه الجهة أو تلك. ويعبر أيضا عن مدى اهتمامه الكبير بضرورة نجاح المفهوم الجديد للسلطة الذي عبر عنه الملك محمد السادس بعيد توليه العرش في خطابه لشهر أكتوبر 1999 ضمن سياق يعني تصورا جديدا للإدارة الترابية ووظيفة جديدة لرجل السلطة وتدبيرا متطورا لعلاقة الإدارة بالمواطن لما فيها بما فيها من إهتمام بالمصالح العمومية وضمان الحرية الفردية وإشراك المواطنين في إيجاد حلول لمشاكلهم.

وفعلا فقد توفرت لهذا النجاح كثير من الشروط والإمكانيات سواء المادية منها أو الإدارية والقانونية ومنها شرط المعايير المحددة لاختيار رجال السلطة كالمستوى التعليمي والامتياز والخبرة والانتقاء على أساس برنامج معلوماتي لا دخل للعنصر البشري فيه، ومازالت الدولة توفر له شروطا أخرى ومنها تمتيع هذه الفئة بحصانة قانونية تحول دون استدعائها من طرف القضاء لأنها تتحول في بعض الأحيان إلى طرف يستدعيه القضاء للشهادة في بعض النزاعات والمواجهات التي تحصل فيصبح بعض منها طرفا في هذه المشاكل.           

إن هذا الإهتمام المتزايد بحقوق وواجبات رجال السلطة نابع من الدور المنوط بهم في الجهات والأقاليم والجماعات المحلية التي مازالت تعاني من كثير من المشاكل بحكم البنيات الاجتماعية المتواجدة والعادات التي مازالت راسخة وبسبب تراكم الأخطاء الناتجة عن سوء التسيير من بعض رجال السلطة الذين كان اهتمامهم منصبا على الجانب الأمني وعلاقته في كثير من الأحيان بالجانب السياسي إن لم أقل الجانب السياسوي وبالخصوص في السنوات التي تلت الاستقلال وما عرفته بعد ذلك من صراعات إما بين الأحزاب السياسية أو بين بعض من هذه والقصر إلى حد فقدان الثقة مما أثر على الكل وأصبح لكل حسابه، وذلك على حساب الديمقراطية في الحكم الذي بقي ممركزا وعلى حساب التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد والعباد وصارت الإدارة الترابية أداة ضرورية للحكم وملزمة بالمراقبة في سبيل إستتباب الأمن والاستقرار وقطع الطريق على المهددين أو المناوئين لها، لكن بعضا من أولائك (رجال السلطة) بالغوا في سلوكهم، ليس حرصا على مصلحة الوطن أساسا، وإنما حرصا على مصالحهم التي حققوها وعلى أموالهم التي راكموها وخوفا من إمكانية تفاهم أطراف الصراع في المغرب الذي لم يكن يرضيهم، إلى أن أصبح سلوكا عاديا ومألوفا ومميزا لرجل السلطة الذي استهواه السلوك واعتمده وسيلة للقهر والخوف والانتقام وتصفية الحسابات ضد المخالفين له ولآرائه مما خلق تنافرا حقيقيا وتباعدا كبيرا وانعدام الثقة بينه وبين المواطنين الذين اضطر بعضهم إلى سلوك الطرق الملائمة الغير مشروعة لتحقيق مصالحهم وبلوغ غاياتهم ولو على حساب المبادئ الدينية والقيم الأخلاقية والمصلحة الوطنية أو الجماعة استغلته الإدارة الترابية لتكريس الواقع والسياسة لخلق جماعة وُظفت في الانتخابات لاحقا وفي خلق أحزاب سياسية نُعتت بالإدارية لدور الإدارة في تكونها ولتقاطع مصالح تلك الجماعة من الانتهازيين والوصوليين والأميين ومنعدمي الضمير من جهة والإدارة من جهة ثانية.   

وقد كان لهذه الفئة التي أوجدها الواقع والسياسة أثرا كبيرا على التسيير في الجماعات الترابية ومشاكل كثيرة على جميع الأصعدة الإدارية والاجتماعية والاقتصادية وعلى جمالية المدن والجماعات وعلى سير المرافق العمومية، ونوعية الخدمات الإجتماعية المقدمة بل على مستقبل المغرب مما حدا بجلالة الملك إلى تنبيه الجميع لهذه الأوضاع التي أصبحت غير مشرفة ولا مسؤولة أمام البرلمان لأنها فئة من المنتخبين كثير منها لا يتوفر على المؤهلات والكفاءات والنوايا الحسنة والغيرة على الصالح العام وهي شروط ضرورية لتحمل المسؤولية العامة وإنما كانت غايتها تحقيق مآرب شخصية والوصول واستغلال الفرص التي قد لا تتكرر ولو بالتضحية ببعض المال لشراء الذمم (والمناضلين الجدد) وبكثير من مبادئ ومصداقية الأحزاب العتيدة وبذالك قضي الأمر لغير صالح هذه الأحزاب وأصبحت سببا للأسى وللأسف ومجالا للاتهامات المتبادلة والإشاعات الكثيرة فعم الإحباط كما أكدت ترانسبارنسي في تقريرها في سنة 2013.

 

وأصبح لهذه الفئة أيضا دور في التأثير على بعض رجال السلطة في سلوكهم وعلى نزاهتهم لما اكتسبته تلك الفئة من علاقات غير بريئة ومشبوهة ولما حصلت عليه من أموال معروفة المصدر، وصارت تقرر في الجُمعات لصالحها وعلى حساب التنمية فيها دون اعتبار لمبادئ الحكامة الجيدة أو اعتبار القوانين والتوجهات.

ومن المشاكل التي أعاقت أيضا ومازالت تعيق عمل رجل السلطة في بعض الإدارات وتدفعه إلى الأخطاء وجود أشخاص أو “أعيان” غارقين في وحل أراضي الجماعات السلالية إما بصفتهم نوابا للجماعة السلالية مثلما حدث أخيرا في قيادة ولاد الطيب بضواحي فاس من تلاعبات بالأراضي الجماعية ورشاوى. أو بصفتهم منتخبين سابقين استغلوا أوضاع السكان المعيشة وحاجاتهم اليومية وتقربهم من السلطة بأساليب خاصة ودنيئة للوصول إلى المجلس المنتخب انتخابا “مدروسا” و”متحكما فيه” وعلى حساب إطار وطالب جامعي لأن الفائز أمي بدرجة فاسد رقم واحد.

وحيث أن هذه العينة من “الأعيان” مازالت تتحرك وتدعي وتفهم وبسبب ما جمعته من أموال على حساب الفقراء في الأرض وفي الغاية إلى حد اعتقاد الآخرين في صدقها وكأنها صاحبة الأرض والغاية ونظرا لما خلقته من مشاكل لا تحصى هنا وهناك مازالت آثارها سارية وما تخلقه بغرورها وجهلها معتمدة على تجاربها في المكر والخداع والفساد وخلو الساحة وتقادم وقدم القوانين الخاصة بأراضي الجماعة السلالية، فإن الوضع يوجب اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية أللازمة لوضع حد لهذه المعضلة.

لهذا فإن نجاح رجل السلطة يقتضي المزيد من إعادة هيكلة الجماعات الترابية وتحصينها بقوانين جديدة ومدها بوسائل فعالة وبالأخص منها الموارد البشرية ذات الخبرة في التدبير والتسيير والأطر الذكية والناضجة ذات إحساس بالمسؤولية غير مزاجية ولا متسرعة أو سريعة التأثر بما من شأنه أن يؤدي إلى فضائح كما نشر عن رجال سلطة ومنتخبين وموظفين في القيادة المذكورة سابقا، لأن المجال عام والمصلحة وطنية بالإضافة إلى القطع مع الأساليب البالية التي كان لها ما لها على الحاضر الذي يجب أن يكون مختلفا ليصير المستقبل مشرقا.

وتعتبر التعيينات الجديدة قفزة نوعية جديدة في هذا الإتجاه وفي إطار تفعيل ركائز الدستور الجديد وإيجاد نفس آخر للمفهوم الجديد للسلطة وإرساء لدعائم دولة الحق والقانون ومنسجمة مع ما يريده جلالة الملك من تغيير في طبيعة العلاقة القائمة بين الدولة والمواطن التي يجب أن تكون في خدمته وقريبة من إنشغالات الناس وقائمة على الإحترام المتبادل.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.