كان انتخاب إيفو موراليس رئيسًا لبوليفيا في عام 2006، حدثًا تاريخيًا غير مسبوق، عندما وصل أول مرة رئيسٌ من الشعوب الأصلية في أميركا اللاتينية إلى سدة الحكم في بلاده،
وسرعان ما استجاب موراليس لوعودٍ كثيرة قطعها على نفسه إبان حملته الانتخابية، واستطاع بفضل تدابير اقتصادية واجتماعية طبقها أن يحقق إنجازات مذهلة، حيث انخفضت نسبة الفقر في عهده إلى النصف، كما تراجعت نسبة الأمية إلى مستوياتٍ متدنية عما كانت عليه، ورفع من مستوى الناتج المحلي الإجمالي الذي تطور بشكل مضطرد، وحقق نوعا من المساواة الملموسة التي جعلت الشعوب الأصلية تفتخر بانتمائها اللاتيني بعدما كانت مقموعة ومستغلة داخل بلدانها.
ولكن الرئيس إيفو موراليس الذي نصب نفسه مقاوماً للهيمنة الإمبريالية في بلاده وفي أميركا اللاتينية، بل وحتى في العالم، لم يستطع أن يقاوم إغراء السلطة، فخالف وعده الأول بعدم الترشح أكثر من ولايتين، وتقدّم للترشح للمرة الثالثة. وفي عام 2016، عرض على الشعب البوليفي استفتاءً يمكّنه من الترشح للمرة الرابعة، ويفتح الباب أمامه للبقاء في السلطة حتى عام 2025، وهو ما كان بصدد تحقيقه عندما ترشح لولاية خامسة في 20 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2019، وانتهى به الأمر رئيسا هاربا يطلب اللجوء السياسي في المكسيك.
كان إيفو موراليس يعتقد أن سجله الاقتصادي والاجتماعي في بلاده سيشفع له لدى شعبه، ليسمح له بالاستمرار في السلطة إلى ما لا نهاية، وهذا هو خطأ كل الدكتاتوريين الذين يصابون بالغرور، ويصبحون منفصلين تماما عن الواقع، فالمظاهرات التي خرجت إلى شوارع العاصمة البوليفية لاباز للمطالبة برحيل موراليس ضمت بين صفوفها مواطنين بوليفيين من الشعوب الأصلية، ينتمون إلى فئة الشباب التواقين إلى التغيير، كما ضمت فئات واسعة من الطبقة الوسطى التي أنهكها وضع اقتصادي صعب وخنقها قمع الحريات في ظل حكم تنتمي أساليبه إلى الدكتاتوريات القمعية التي حكمت بلادهم تحت حكم العسكر.
كان إيفو موراليس يحلم بأن يحول بلاده إلى سويسرا أميركا اللاتينية في ظرف 20 سنة، لكنه بعد 14 سنة من الحكم الاستبدادي هرب وتركها بين خيارين، أحلاهما مر، الوقوع في حرب أهلية ستأتي على الأخضر واليابس، في قارة تشهد انهيارات اجتماعية مدوية، أو الوقوع في يد يمينٍ متطرّف سيعيدها سنوات إلى الخلف، هذا إذا لم يؤجج الصراع الطبقي بين فئات شعب تركه موراليس منقسما على نفسه.
سقوط إيفو موراليس، أو بالأحرى هروبه، هو سقوط أخلاقي لفكر يساري لم يُشف من أمراض
الدكتاتورية المزمنة التي نظّر لها هذا الفكر اليساري في أدبياته المرجعية، عندما شرعن لدكتاتورية الطبقات الكادحة، والتي بلورتها تجارب عديدة من الحكم اليساري عبر التاريخ في مفهوم “الدكتاتورية الديمقراطية”. وهي نظامٌ هجينٌ ما بين الدكتاتورية والديمقراطية، يتميز عن النظام الدكتاتوري بكونه يسمح بإجراء انتخابات حرة وتعددية، وبوجود معارضة، لكن السلطة تبقى دائما في يد الحاكم المخلِّص الذي سيأتي بالتقدم ويُطبّق العدل ويُحسِّن مستوى عيش الطبقات الفقيرة، لدرجة يصبح فيها استمراره في السلطة مرهونا بإنجازاته والتي بدونها سيجد نفسه أمام خيارين إما قمع معارضيه أو الهروب للنفاذ بجلده.
وهذه الأنظمة “الدكتاتورية الديمقراطية” موجودة اليوم في أكثر من دولةٍ من روسيا إلى تركيا مرورا بدول كثيرة في المعسكر الاشتراكي سابقا، وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وحالة إيفو موراليس ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لكنها نهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة في أميركا اللاتينية التي ما زالت شعوبها تبحث عن نموذجها في الحكم والتنمية الذي سيجنبها استغلال الإمبريالية ويحميها من بطش الدكتاتورية. وتلك مسيرةٌ ما زال الطريق أمامها طويلا وشاقا.
