الحرية و السلطة مقاربة تمهيدية

514

العرائش نيوز: 

عزيز قنجاع

هذه المقاربة قدمتها خلال الندوة التي نظمها مهرجان تلاقح الثقافات بحضور المفكر عبد الوهاب رفيقي  حول الحريات في المجتمعات المعاصرة.

في الوقت الذي يكون فيه الفلاسفة منكبين على التنظير للأسس الأخلاقية الكبرى للحرية و الدولة يكون في المقابل اقرأنهم من رجال السياسة و السلطة يؤسسون لمذاهب مستجدة من المنع و الحصر و الحد.

وعندما يعلو خطاب عام يشيد بالثورة وانتصار قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية تنحثالسلطة لنفسها في دهاليز مظلمة لا مرئية أدواتالسلب والحجر والحجز والمنع على الجموع.

المجتمعات الراهنة هي مجتمعات مغلفة بأعتيأشكال الخطابات إنسانية والخطابات المتسامحة و المتعاطفة

وهي مجتمعات في نفس الوقت محاطة بأعتىأشكال أدوات السلطة والضبط والمراقبة والحجر .

ان تحليل مضامين الحرية في الفكر السياسي المعاصر يأخدنا الى تناول المجال الحقوقي مع استظهار النواقص الحادة من مساحات الحرية لدى الافراد والجماعات

بينما ساحاول في ورقتي هذه التمهيدية لهذا اللقاء المعرفي اتمناها ان تكون تكميلية لورقة السيد محمد عبد الوهاب رفيقي ان اتناول الحرية من حيث مكامن سلبها اي من جانب السلطة لماذا

اولا مفاهيم الفلسفة الحديثة لم تعد قادرة على إجلاء النظر في التغيرات العميقة لواقعنا واستيعاب الواقع الجديد فاي تعريف للدولة على انها اداة تحكم وضبط وحجز يبقى كلاسيكيا وناقصا ، فالثورات المتواصلة في المحيط العربي ابانت عن جهل عميق بالدولة والسلطة، فاذا لم يعادتعريف هذه المحددات بدقة فمطالب الحرية والعدالة الاجتماعية سائرة للهزائم والاندحارات

فالدولة اليوم هي جهاز ينتج العنف الخفي الناعم والضبط السلس و الحجز المقبول الذي لا يترك اثارا ظاهرة للعيان .

والسلطة ليست نتاج تفاعلات سياسية صادرة عن مركز الدولة بل اضحت ذات طبيعة متشظية ، متعددة الفضاءات وشبكة تشمل مختلف العلاقات والمجالات والقوى و السلوك والتصورات داخل المجتمع

وبالتالي فلا معنى للحديث عن الحرية من خلال النصوص التشريعية و القانونية بل مساحات الحرية تغدو مقاسة بمساحات التغلغل السلطوي للدولة في المجتمع وتصبح مهام الفيلسوف والمفكر التشخيص و الكشف و التعرية عن مظاهر الحضور هذه، لكن لا فيما هو معلن من تدابير بل فيما هو غير منطوق به باعتباره موضوعا للفعل لا للقول. 

ثانيا : تكنولوجيا الدولة من جانبها السلطوي هي تكنولوجيا اعادة انتاج الفرد المعزول فيتحول جسد الفرد عبرها الى موضوع للتنظيم والانضباط من خلال المدرسة السجن الثكنة المستشفى والعيادة الطبية

تمارس السلطة وظيفتها على الجسد من خلال الضبط كما قلنا وتقسم الافراد في المكان وتحتجزهم في مساحات الوقت و الزمن التلميذ في المدرسة والجندي في الثكنة و المجرم في المعزل و الغير المنضبط للعقل في المستشفى والرقابة على الموظفين من خلال تحديد وقت العمل ووقت الراحة باتباع نوع من التراتب والانضباط  والعاملين الماجورين في نفس دوامة الوقت الضاغط لكن المضبوط بقواعد منظمة

فلا غرو ان يسمي نابليون بونابارتالبيروقراطية بانها جيش مدني منضبط ولا غرو انتشبه على مستوى المعمار المدارس بالثكنات والمحاجز و السجون ويسري النظام العسكري على المدرسة كما يسري على المعمل

ادن اننا محجوزون بشكل طوعي

تغدو الحرية جزء من استراتيجية السلطة على اعتبار ان السلطة هي تلك القدرة السحرية التي تجعل الفرد يقوم بافعال تحددها له قبليا او اهدافتكون متفقة مع اهدافها .

ولكي تستطيع السلطة ان تجعل الفرد يقوم باعمال محددة يعتقد انها افعال صادرة بمحض حريته وارادته ، يلزمك استراتيجية ، اي اطار عام يوضع فيه الاخر ويتحرك من خلاله ويمكن ان يختار في نظام معين افعالا بارادته الحرة الا ان اختياره يكون محكوما بالاطار العام الموضوع له وبالتالي يصبح خاضعا للسلطة في الوقت الذي يتوهم انه مخير وحر في افعاله. ادن فالسلطة استراتيجيات وليست قوانين

لقد ساهمت العلوم الانسانية او النتاج المعرفي و المعرفة بصفة عامة في نسج خيوط تحالف قوي مع السلطة لاخضاع الافراد و الارادات والحجز عليهم. فالسلطة الراهنة في المجتمعات المعاصرة اصبحتتتسم بقدر كبير من العقلانية ومنسوب عال من الاجماع بالتوظيف المحكم للمعارف فعوضا عن القمع و العنف والترهيب والضرر المباشر  تم استصحاب تقنيات اخرى اكثر جدوى و فاعلية واقل مقاومة فبرع الطب النفسي في ضبط السلوك والاخصائي الاجتماعي في رصد ظواهر العزوف والمقاومة الاجتماعية والعالم البيولوجي في رصد الطباع و ساهمت الديمغرافيا وعلم الاحصاء في اعداد خوارزميات ولوائح للافراد و الجماعات فاصبح المجتمع و الفرد مطوق باغلال وبطواعية كاملة وتتيح للسلطة امكانيات الحد من الحريات بسلاسة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.