حالة الطوارئ الصحية بالمغرب :التكييف و التقعيد القانوني

العرائش نيوز:

بعد الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بالمغرب من طرف وزارة الداخلية، في بلاغ لها يومه الخميس 19 مارس 2020 ، و الذي دخل حيز التنفيذ ابتداء من يومه الجمعة 20 مارس 2020 ابتداء من الساعة السادسة مساء، تمخضت الكثير من النقاشات و الآراء حول الطبيعة و القيمة القانونية للبلاغ من جهة و كذا مصدر الصلاحية و السلطة في إصدار ورقة تعلن من خلالها أن المملكة دخلت مرحلة غير عادية و استثنائية، نتج عنها تعليق بعض الفصول الدستورية التي تضمن للمواطن ممارسة حقوقه و حرياته.
بداية، لابد أن نشيد بالبلاغ الذي أقر حالة الطوارئ الصحية بالبلاد، و الذي يعبر عن إرادة حقيقية من الدولة للوقاية و الحد من انتشار جائحة كورونا كما تم توصيفها من قبل منظمة الصحة العالمية، كخطر يهدد العالم في اقتصاده و مؤسساته و مجتمعاته، لكن ملحاحية و ضرورة البلاغ لا تعفينا بالضرورة من الغوص في حجيته و مصدره التشريعي و سنده القانوني.
انطلاقا من الدستور المغربي ؛ يمكن الحديث عن حالتين تفيذ وضعا غير عادي ، و لأجل ذلك ؛ قد نستعين بالفصل 74 ” 48 سابقا ” الذي يتيح إمكانية الاعلان عن حالة الحصار بمقتضى ظهير شريف يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، و تؤدي هذه الحالة إلى حلول السلطة العسكرية محل السلطات المدنية في مهام الضبط الاداري التي تصبح إجراءاتها واسعة و غير مألوفة في الظروف العادية؛
الحالة الثانية ، هي ما ينص عليه الفصل 59 ” الفصل 35 في دستور 1996 ” الذي ينص على أنه إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة ، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، أمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير، الأمر الذي لا يتوافق و بلاغ وزارة الداخلية كون الاعلان عن الحالتين و إقرارهما يتوقف على إصدار ظهير و هي صلاحية حصرية للملك و ليست لوزارة الداخلية.
أما حالة الطوارئ الصحية، فإن الدستور المغربي لم يتطرق إليها و اكتفى فقط بالتنصيص عن حالة الاستثناء و حالة الحصار.
الجدير بالاشارة، أن من بين الآثار المترتبة عن إعلان حالة الطوارئ الصحية و القرارات التي تلتها، تعليق و تجميد بعض الفصول الدستورية سيما الفصل 29 الذي ينص على أن حريات الاجتماع و التجمهر و التظاهر السلمي مضمونة و يحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات، كما قام البلاغ بمنع وتقييد الفقرة الثالثة من الفصل 24 التي تنص على أن حرية التنقل عبر التراب الوطني و الاستقرار فيه ، و الخروج منه ، و العودة إليه ، مضمونة للجميع وفق القانون، فكيف إذن يمكن أن نعلق و نقيد فصول دستورية بإنتاج ورقة في شكل بلاغ صادرة عن وزارة الداخلية ؟
ربما قد نحال مباشرة على أعمال السيادة أو مبررات الضرورة القصوى و المصلحة العامة أو توافر عنصر الاستعجال لما تقتضيه المساطر التشريعية من إجراءات قد تعطل الهدف من إقرار حالة الطوارئ الصحية بالمغرب، و إن كان الأمر كذلك.
بالعودة إلى المرسوم رقم 2.19.1086 الصادر بتاريخ 30 يناير 2020 المتعلق بتحديد اختصاصات و تنظيم وزارة الداخلية، الذي ينص في مادته الأولى على أن تناط بوزارة الداخلية إضافة إلى الاختصاصات و الصلاحيات المسندة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بموجب النصوص الجاري بها العمل، الحفاظ على النظام و الأمن العموميين، و إن كان المرسوم السالف الذكر يعطي الاختصاص لوزارة الداخلية في حفظ النظام و الأمن العموميين فإنه لم ينص صراحة على إمكانيتها في الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية أو اتخاد قرارات و إجراءات تنتقل بالمغرب من الوضع العادي إلى آخر استثنائي ، لاسيما مع تجميد و وتقييد بعض الحريات المضمونة بموجب دستور 2011.
صحيح أن الفصل 21 من نفس الدستور يعطي الصلاحية للسلطات العمومية من أجل ضمان سلامة السكان و سلامة التراب الوطني ، لكنها في نفس الوقت ، ملزمة أيضا باحترام الحريات و الحقوق الأساسية المكفولة للجميع، و هو ما يتنافى مع الحالة الواقعية التي استدعت تقييد الحريات، ما يستوجب معه إبعاد هذا الفصل في تقعيد حالة الطوارئ أو تكييفها دستوريا.
و بالرجوع إلى المرسوم الملكي رقم 65.554 بتاريخ 26 يونيو 1967 بمثابة قانون المتعلق بوجوب التصريح ببعض الأمراض و اتخاذ تدابير و قائية للقضاء على هذه الأمراض ، و الذي حدد حالات الأمراض الجاري عليها الحجر الصحي و الأمراض ذات الصبغة الاجتماعية و الأمراض المعدية أو الوبائية الموضوعة قائمتها بقرار لوزير الصحة العمومية رقم 95.683 الصادر بتاريخ 31 مارس 1995 بتحديد كيفية تطبيق المرسوم المشار إليه سالفا، و الذي لم يتضمن بداهة جائحة كوفيد 19 لأنه مستجد ، كما لا يتضمن المرسوم بمثابة قانون و القرار الوزاري أية إشارة تفيد الصلاحية أو السلطة القانونية التي تجيز الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية ، بل إحالة واضحة حول كيفية التصريح من طرف أصحاب المهن الطبية الذين أثبتوا وجود أمراض معدية أو وبائية إلى كل من السلطة الادارية المحلية و السلطة الطبية للعمالة أو الاقليم.
ربما لا يسعفنا البحث عن حالة الطوارئ في كل من الدستور و القوانين في التكييف ، و ربما لن نجد تقعيدا في منطوقات المراسيم ، و قد نستشف معه أن المنظومة القانونية للمغرب تعيش على وقع حالة مستجدة تم تنزيلها دون قالب قانوني و أمام فراغ تشريعي.
أخيرا؛ يمكن القول أن المخرج الوحيد الذي يسعف لسد الفراغ و الانتقال من الحالة الواقعية إلى الحالة القانونية هو استدعاء الفصل 81 من الدستور المغربي الذي يتيح للحكومة إصدار مرسوم بمثابة قانون، و هو فعلا ما تمت أجرأته بموجب مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية و مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.293 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني ، و ذلك من أجل الاجابة على سؤال التكييف و التقعيد القانوني لحالة الطوارئ الصحية بالمغرب.
يوسف الغرافي :
باحث في القانون العام والعلوم السياسية


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.