وباء كورونا، الاتحاد الاوروبي ومسألة الدولة القومية محاولة في التنظير

0 358

العرائش نيوز :

عزيز قنجاع

تظهر الدولة القومية الحديثة بأوروبا في تحليل المدرسة التاريخية تحصيل تاريخي للعلاقة بين صعود البرجوازية في مجتمع ما وبين الشعوب التي تحضن الطبقة الاجتماعية الفتية. فالبرجوازية، بإجماع جميع الدارسين حتى الماركسيين منهم، تبقى الطبقة الوحيدة في التاريخ التي جعلت من تراكم ثروتها وإمكانياتها ثروة للمجتمع كله، وليس ثروة خاصة بالطبقة المسيطرة، كما كان الحال في ظل السيطرة الإقطاعية. ففي كتابه دور العنف في التاريخلاشارة فقد تمتع انجلز دائما بنظرة ثاقبة للمسائل السياسية في مقابل تعثر معالجة ماركس في غير ما موضع و مسالة، وقد جرت العادة الفلسفية على الخفض من قدر انجلز وكيل المديح لماركس. فقد كتب انجلز يقول “بقدر ما تطورت التجارة والزراعة والصناعة وبالتالي قوة البرجوازية في المجتمع نما الشعور القومي في كل مكان وشرعت الشعوب المقسمة والمقهورة تحقق وحدتها واستقلالها” يبدو جليا أن تحليلات انجلز تجزم أن الدولة القومية الحديثة إنتاج برجوازي خالص، لكن تبقى ملاحظة أساسية لا بد من إثارتها في هذا الموضع تتعلق بالسؤال عن أسباب نجاح البرجوازية اجتماعيا في توحيد أوروبا وعدم نجاحها سياسيا في ذلك، ولتوضيح السؤال أكثر نقول: لم نجحت البرجوازية في توحيد السوق وأساليب الإنتاج والنظم لكنها لم تنجح في بناء دولة البرجوازية الموحدة؟ رغم اصرارها لقرون على ذلك وكل ما مرة، فمن عصبة الامم الى الامم المتحدة الىالكيانات الشبه دولتية القارية كالاتحاد الاوروربي والاتحاد الأمريكي الشمالي:بالإنجليزية (North American Union)وهو اتحاد إقليمي نظري يضم المكسيك وكندا و الولايات المتحدة الأمريكية، لم تفتر هذه الطبقة تحاول ارساء دعائم نظام دولتي كوني او قاري لكن يبدو ان كل هذه المحاولات تبوء بالفشل ، ويبقى السؤال هو، لم في كل مرة وفي كل طارئ سياسي كبير تجنح البرجوازية للاختفاء كطبقة كونية لتحل محلها الدولة القومية بحدودها وعلمها وسيادتها ؟، وقد اظهرت جائحة كورونا مدى الهشاشة التي يتمتع بها كيان صلب كالاتحاد الاوروبي الذي يعد اكبر نموذج لتكثلسياسي بخلفية اقتصادية ليبيرالية وبإجراءاتسياسية تجرأت على اعادة النظر في الحدود و الحواجز،فلم نحى كل شعب داخل هذا المجمع القاري الى الارتكان داخل كيانه السياسي المغلق؟ في الوقت الذي كان من المنتظر ان تتم معالجة الجائحة داخل الافق السياسي الاوروبي. ليصبح هذا الكيان موضع مراجعة من العديد من دوله الاعضاء .

لنعد السؤال من جديد الى ملعب التاريخ ونحاول استشفاف عوامل فشل البرجوازية في التوحيد السياسي للعالم ونجاحها في توحيده اجتماعيا اي تنميط الدنيا داخل دوق عام ينحومنحى التجانس و التماثل بين كل شعوب المعمور .

فعندما تساءل انجلز لماذا لم تحقق الثورة الفرنسية باعتبارها الوعي الناضج للبرجوازية برنامجها في تأسيس دولتها الواحدة بأوروبا؟ ارجع الأسباب الى عاملين اثنين: إنهما اللغة والماضي اللذين – ورغم العسف والاستعباد والامتيازات- استطاعا أن يهشما الطموح السياسي للبرجوازية في تحولها الى طبقة سياسية عالمية ضمن نموذج دولتي واحد ، واكتفت بصور مشوهة في تحقيق ذلك الطموح السياسي من خلال النماذج التي سردناهاسابقا، وظلت نزوعات الاستقلال بالقرار السيادي يكبح عمل هذه المؤسسات وطموحها في صوغ دولة البرجوازية العالمية ، فلم تنجح البرجوازية في تفكيك الدول والأمم كما نجحت في هدم الصروح الاجتماعية الاقطاعية. فبقيت الدول المختلفة قائمة و منفصلة وسط سيرورةاجتماعية تنحو منحى التجانس والتوحيد الاجتماعيين. وإذا كان موضوع اللغة مفهوما هنا فان الماضي يشمل الى جانب التاريخ المشترك الشكل السياسي للدولة الموروثة عن العصر الوسيط عبر أنظمة الملكية المطلقة فقد رأى الماركسيون ومنهم نيكوس بولنتزاس الذي اشارالى هذه العملية في كتابه ” السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية” حين اعتبر ان البرجوازية ورثت الدولة الملكية في اوروبا وصيرتها دولتها مما يجعل من شكل الدولة الحديث دو القعرالملكي القروسطي المبني على مفهوم الوحدة القومية هو اساس الدولة الحديثة دولة البرجوازية الصاعدة. رغم المحاولات والحرب المستعرة و محاولات التوسع و الصراع حول المقاطعات ابان المرحلة المميزة للفترة النابليونية في محاولاتها المتكررة والمضنية لتوحيد أوروبا تحت برنامج الثورة الفرنسية، إلا أن هذا النجاح اقتصر على مقاطعتي الالزاس واللورين فقط ولم يمتد الى المقاطعة الرينانية مثلا أو يتجاوزها الى العمق الألماني كما انه لم يحمل سكان الشمال الايطالي ولا سيما سكان البيمونولومبارديا على الانضمام الى الدولة الفرنسية

اذن فالدولة القومية الحديثة باوروباوعلاقتها بالقوة البرجوازية الصاعدة مسالة مزدوجة ومتفاوتة . فالبرجوازية تسعى للإحاطة بشروط السيطرة على المجتمع في إطار هيكل سياسي موحد ومستقل هو الدولة القومية . فتصطدم بتاريخية هذا الهيكل وهي تاريخية موروثة عن عهود سابقة قبل برجوازية وهي شروط تنفلت من المنطق الشامل والكوني الذي يغلب على الحركة البرجوازية في وجهها الاجتماعي و يتم انفلاتها هذا باتجاه الماضي مدعوما باللغة اما التقاليد الاخرى الداعمة فقد استطاعت البرجوازية كما قلنا توحيد العالم اجتماعيا بل جعله قرية صغيرة . فبين السياسي و الاجتماعي يندرج تكوين الدولة القومية البرجوازية الحديثة في إطار من المماهاة بين زوال العوائق في وجه السيطرة البرجوازية كطبقة كونية و بين تجانس المجتمع ووحدتة و قوته داخل الدولة القومية. اي ان البرجوازية سعت للإحاطة بشروط السيطرة البرجوازية على العالم في إطار هيكل سياسي ضيق وهو الدولة القومية، لا اختيارا منها بل بسبب ما قلناه من طبيعة الدولة الموروثة عن الماضي القروسطوي.


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.